رسالة مفتوحة من أمغار محام بهيئة الدار البيضاء إلى وهبي وزير العدل
معكم 24
إلى السيد وزير العدل تحت إشراف السيد رئيس الحكومة
الموضوع: ما أشبه الأمس باليوم أو تنزيل مبادئ الدستور في مشروع قانون المسطرة المدنية
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل..
الأكيد أن ردود أفعال مرتدي البذلة السوداء بالمغرب بخصوص ما جاء في مشروع قانون المسطرة المدنية دفعكم إلى التساؤل عن الأسباب المحركة والمؤطرة لموقف المحامين، والتي أدت إلى تصريحات السيد وزير العدل وردود أفعاله في العديد من المحطات السياسية والإعلامية.
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل ..
إن المحرك الأساسي وبوصلة الحراك ضد مضمون مشروع قانون المسطرة المدنية يتجلى في إيمان الجميع بضرورة حماية قيم العدالة ومبادئ المحاكمة العادلة المنصوص عليها دستوريا، وهي قيم تم تلخيصها في الدفاع عن حق الإنسان في الولوج المستنير والمتبصر للعدالة، الذي كرسته المواثيق الدولية في المجال الحقوقي إسوة بالحق في الولوج المستنير إلى الثروة والصحة والتعليم الخ .
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل..
إن مبدأ الولوج المستنير للعدالة هو مبدأ حقوقي إنساني تم تبنيه من طرف الأسرة الحقوقية في مواثيق وأوفاق ومعاهدات دولية ملزمة للمجتمعات والدول الأطراف في المجتمعات المتحضرة .والهدف من هذا المبدأ هو تمكين الإنسان من المؤسسات والوسائل الناجعة، التي تساعده للوصول إلى الحق، بغض النظر عن وضعيته الاجتماعية والاقتصادية وإمكانياته المادية .
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل..
إن الحكومات والسلط التشريعية للدول عندما تفكر في التأثير على الواقع أو تغييره بالقانون، من خلال وضع مشاريع القوانين التي يتم إعدادها من طرف خبرائها، ملزمة باستحضار روح ومبادئ الاتفاقيات الدولية، المصادق عليها- أي القانون الدولي لحقوق الإنسان- عند إعداد النص المشروع، أي أن مشروع القانون ينبغي أن يكون في اتجاه بناء دولة الحق والقانون، من خلال استحضار وتنزيل المؤسسات الحقوقية والقانونية في مشروع القانون المسطري، وهذه الفلسفة في وضع مشاريع القوانين هي الأساس لتجنب بعض الأخطاء غير المقصودة من طرف خبراء الدولة عند وضع مسودة التشريع، لذلك تبنت الأسرة الحقوقية والوثيقة الدستورية مبدأ المقاربة التشاركية في إعداد مسودة التشريع، والهدف من هده المقاربة هو الأخذ بعين الاعتبار رأي المجتمعات الفرعية المشكلة للمجتمع الشامل، وهذه المجتمعات قد تكون مهنية أو ترابية أو قطاعية أو غيرها.
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل ..
إن إشراك مكونات المجتمع في إعداد مسودة التشريع والأخذ بمقترحاته المستمدة من المبادئ الحقوقية يؤدي إلى ضمان التطبيق السلس والمرن للقانون وتجنب رفض استيعاب النص الجديد داخل النسق القانوني للدولة والمتخيل الجمعي للجماعة الاجتماعية المعنية به .
لدلك فإن معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية للدولة بواسطة القاعدة القانونية دون استحضار الالتزامات الحقوقية والسير في اتجاه خدمة بناء دولة الحقوق والمؤسسات كما هي متعارف عليها عالميا سيكون على حساب مصداقية الوثيقة الدستورية والمبادئ الحقوقية المسطرة داخلها .
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل..
إن الحكومة في إعدادها لمشروع قانون المسطرة المدنية كان عليها أن تستحضر أن هناك مبدأ مراقبة دستورية القوانين، وأن إلغاء المشاريع المعدة من طرفها من طرف المحكمة الدستورية، وبشكل متكرر، كما وقع عند إلغاء مستجدات المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية، سوف يؤثر على مصداقيتها ومصداقية أعضائها.
إن عدم استحضار مثل هده النوازل وأخذ العبرة منها يطرح السؤال حول رغبة الحكومة حقيقة في تنزيل حقيقي للمبادئ والمقتضيات الدستورية، والمشاركة في بناء دولة الحق والقانون.
إن الحكومة كان عليها أن تنتبه عند إعدادها لمشاريع القوانين، ومنها مشروع قانون المسطرة المدنية، إلى تعليل المحكمة الدستورية، التي اعتمدت في قولها بعدم دستورية مقتضيات المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية على عدة مبادئ من الدستور والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا سيما حق الدفاع ومبدأ المساواة بين أطراف الدعوى العمومية، وأن الاستثناءات من الإجراءات العامة لا يجب أن تمس بالمبادئ الرامية إلى صيانة الحريات والحقوق الأساسية للجميع، وهو ما ينصرف إلى ما جاء في مشروع قانون المسطرة المدنية، الذي يمس مبدأ المساواة بين أطراف الدعوى المدنية .
السيد رئيس الحكومة ..
السيد وزير العدل..
إن الخبراء الذين قاموا بإعداد مشروع قانون المسطرة المدنية كانوا ملزمين، إلى جانب التغلب على نقص العنصر البشري بوزارة العدل، باستحضار أن الهدف من القوانين الشكلية والمسطرية هو وضع قواعد ومبادئ تمكن الإنسان ومرتفق مرفق القضاء من الوصول إلى الحق المدعى فيه، وحماية حرياته الأساسية في ظل نظام العدالة العامة، بعد تجاوز الإنسانية والمجتمعات الحديثة لنظام العدالة الخاصة ونظام القصاص، لذلك فإن المواطن الفقير من حقه الاستفادة من درجات التقاضي باعتبارها الضامن لحقوقه، والحصول على خدمات المحامين باعتبارهم، وفق الأوفاق الدولية، مؤسسة من مؤسسات العدالة تقاس المحاكمة العادلة بوجودهم واستقلالهم ، ولأن الحقوق لا تقاس بقيمة الدعوى ولو كانت درهما واحدا، بل تقاس بتوفر الضمانات والمساواة بين الجميع في الوصول إلى الحق.
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل ..
إن القواعد المسطرية ومشروع قانون المسطرة المدنية ينبغي أن يكرسا قواعد العدالة في ظل الدولة الحديثة القائمة على مبدأ التوزيع العقلاني للعمل الاجتماعي المؤدي إلى محاربة الاقتصاد غير المهيكل، وتداخل في الاختصاصات، وما يرتبط به من فساد وسوء التدبير واستمرار مكانيزمات المجتمع المتعدد أنماط الإنتاج والقواعد المعيارية المرتبطة به، والمتمثلة في فتح المجال للجميع بدون احترام الضمانات الدستورية لممارسة مهام مؤسسات العدالة .
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل..
إن ترسيخ قواعد التخصص التقني في مشروع قانون المسطرة المدنية وفق مبادئ إنسانية، ووفق مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان سوف يفتح المجال بالتأكيد للحديث عن بوادر دولة الحداثة، وهي الدولة التي تسعى إلى خدمة المواطن والإنسان، بغض النظر عن وضعه الاقتصادي والاجتماعي، لأن الحماية الكافية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية المقررة لجميع الأشخاص، اقتصادية كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية، تقتضي حصول جميع الأشخاص على خدمات قانونية يقدمها مهنيون قانونيون مستقلون .
والتخصص التقني في مجال العدالة يتجلى في توزيع الاختصاص بين مكونات العدالة، المؤدي إلى الحيلولة دون المساس بمبدأ النجاعة القضائية، القائمة على المبادئ الدستورية، الضامنة للمحاكمة العادلة والولوج المتبصر لها. والأكيد أن ذلك سوف يؤدي إلى القضاء على الممارسات غير المقبولة من البعض، والتواجد غير المبرر للأجسام الغريبة داخل جسم العدالة، والذي لا يمكن تصوره في قصر العدالة في الدولة الحديثة .
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل..
إن الفلسفة التشريعية للدولة الحديثة ينبغي أن ترتكز على المبادئ الحقوقية الإنسانية في فتح ورش إصلاح العدالة، الذي تعهدت به الحكومة المغربية في البرنامج الحكومي لأكتوبر 2021 والدي جاء فيه: أن هـذه الحكومـة سـتحرص أولا عـلى تحصين المكتسـبات، وثانيـا عـلى اسـتكمال هـذا الـورش بمشـاريع أخـرى في إطـار الإصلاح الـذي يوليـه جلالة المـك محمـد السـادس أهميـة خاصـة عـلى درب توطيـد دولـة القانـون وضمـان قضـاء مسـتقل، عـادل وضامـن لمنـاخ أعمال إيجـابي وجـذاب. وتنتظرنـا جميعـا أوراش كـبرى في هـذا المجـال، خاصـة فيمـا يتعلـق بتعديـل قانـون المسـطرة المدنيـة، وتعديـل قانـون المسـطرة الجنائيـة، وكـذا تعديـل القانـون الجنـائي.
فهل الإصلاح هو العودة إلى القواعد المعيارية للمجتمع الهجين؟
السيد رئيس الحكومة..
السيد وزير العدل ..
إن القراءة المتأنية لمشروع قانون المسطرة المدنية الموضوع من طرف الحكومة تدفعنا إلى التساؤل عن مدى الجدية في تنزيل مضمون البرنامج الحكومي، من خلال مثل هذا المشروع بحكم أنه بعيد كل البعد عن روح الدستور ومبادئه، وقواعد حقوقية راسخة في أغلب تشريعات الدول الديمقراطية، التي تضمن المساواة في الحقوق والواجبات .
وهدا ما يدفعنا، السيد رئيس الحكومة والسيد وزير العدل، إلى طرح التساؤلات التالية :
أين الملاءمة في مشروع قانون المسطرة المدنية، أي ملاءمة القوانين المسطرية مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان؟.. أين تضمن الحكومات توفير إجراءات فعالة وآليات قادرة على الاستجابة تتيح الاستعانة بالمحامين بصورة فعالة وعلى قدم المساواة لجميع الأشخاص الموجودين في أراضيها والخاضعين لولايتها، دون تمييز من أي نوع كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الأصل العرقي أو الجنس أو اللغة أو الديانة أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو المولد أو أي وضع اقتصادي أو غير اقتصادي؟.. أين تكفل الحكومات توفير التمويل الكافي والموارد الأخرى اللازمة لتقديم الخدمات القانونية للفقراء ولغيرهم من الأشخاص المحرومين عند الاقتضاء، وتتعاون الرابطات المهنية للمحامين في تنظيم وتوفير الخدمات والتسهيلات وغيرها من الموارد؟.. أين تروج الحكومات والهيئات المهنية للمحامين للبرامج التي تستهدف إعلام الجمهور بحقوقه وواجباته بمقتضى القانون، وبدور المحامين الهام في حماية حرياته الأساسية، وينبغي إيلاء عناية خاصة لمساعدة الفقراء وسائر المحرومين بغية تمكينهم من تأكيد حقوقهم، وإذا لزم الامر طلب مساعدة من المحامين؟.. أين المساواة بين الجميع بغض النظر عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي في الولوج المستنير والمتبصر للعدالة؟.. أين توفير الحق في اللجوء إلى القضاء باعتباره الحصن الحصين للحقوق والحريات دون الخوف من العقوبات المالية غير المبررة دستوريا، خاصة أن مرتفق العدالة يؤدي مبالغ خيالية كرسوم قضائية؟.