قراءة في مشروع قانون المالية لسنة 2023

من إعداد:  الرزاوي مولاي  هشام* 

يشكل  قانون  المالية  الإطار  القانوني الذي يحدد بشكل عام الاعتمادات المالية المخصصة لموارد و مصاريف الدولة، مع الأخذ بعين الاعتبار  التوازنات المالية و الاقتصادية.

ويتجدد سنوبا هذا القانون حيث من خلاله يتم رصد الموازنات العامة للدولة و تحديد النفقات المرصودة للتسيير و الاستثمار و يحدد كدلك الشق المتعلق  بالضرائب ان كانت هناك تعديلات ضريبية.

ويأتي  مشروع  قانون  المالية لسنة 2023 في  ظل  سياق  خاص  سواء  على المستوى الوطني أو المستوى الدولي.

فعلى الصعيد الدولي  هناك تباطؤ كبير  فيما  يخص  نمو الاقتصاد العالمي و انخفاض  حاد و شكوك كبيرة بخصوص توقعات سنة 2023 ، و دلك بسبب الصراع الروسي  الاوكراني و الدي  زاد من  حدة ارتفاع اسعار  المواد الاولية، بالإضافة  الى الارتباك الحاصل  في  سلاسل  الامدادات العالمية و الارتفاع المسجل في  اسعار البترول والمحروقات.

بالإضافة الى ذلك، هناك تصاعد الضغوطات التضخمية، بالإضافة  الى  بدء تطبيع السياسات النقدية من طرف بعض  البنوك المركزية مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي والبنك المركزي  الاوروبي.

أما  على المستوى  الوطني، فإن اهم  ما يميز  الاقتصاد الوطني خلال هذه السنة هو تباطؤ الطلب  الأجنبي الموجه إلى  المغرب من  قبل  أوروبا بسبب الحرب  الروسية الاوكرانية كما  عرفت  هذه السنة ضغوطات تضخمية غير مسبوقة، كما تأثر القطاع الفلاحي هذه السنة بسبب ندرة التساقطات المطرية الشيء  الذي  ساهم  في  انخفاض محصول الحبوب  بنسبة %69.

ولم يحقق قطاع الفلاحة من 80 مليون قنطار  سوى 32 مليون قنطار بينما  عرف  محصول الحوامض ارتفاعا يقدر ب% 14، كما عرف محصول سلاسل الانتاج المرتبطة بالأشجار المثمرة و الزراعات الربيعية ارتفاعا يقدر ب %21 .

و ارتباطا  بالوضعية الاقتصادية لسنة 2022  فقد سجل كل من قطاع النقل و السياحة انتعاشا كبيرا بعد تحسن الوضعية الوبائية من جراء كوفيد 19 حيث  ارتفع  قطاع السياحة بنسبة 70% ، كما ارتفع قطاع النقل بنسبة 90% ، بينما  سجلت الصناعات الكيماوية و الغذائية و السيارات انخفاضا ملحوظا.

و بخصوص معدل البطالة فقد تم تسجيل نسبة  % 16.3أي  بانخفاض طفيف عن سنة 2021 حيث  تم تسجيل  نسبة% 17  وتم فقدان أزيد من 183 ألف منصب  بقطاع الفلاحة و الغابة و الصيد البحري، و في  المقابل تم  إحداث 85 ألف منصب شغل  بقطاع  الخدمات و 29 ألف  منصب  بقطاع البناء.

وبخصوص المبادلات الخارجية و ميزان الاداءات  فقد  سجل  تطور  ايجابي للصادرات بنسبة تزيد عن 41% ،  كما تم تسجيل ارتفاع للواردات بنسبة  %39، مما أدى  إلى  ارتفاع عجز الميزان التجاري  بنسبة% 37 .

وفي ظل هذه  المستجدات المرتبطة بالوضعية الاقتصادية سواء على الصعيد الدولي  او الوطني فان وضع  مشروع قانون  المالية لسنة 2023  تم  بناء على مجموعة من الفرضيات الحذرة.

وفي  هدا الإطار فإن التوقعات  المرتبطة ببعض المؤشرات الماكرو اقتصادية تشير  الى  امكانية تحقيق معدل نمو يقدر بنسبة 4% ، و هذا  ما  اكدته تقارير المندوبية السامية للتخطيط  والبنك الدولي حيث يتوقع أن تتراوح نسبة النمو ما بين %3.5  و 4  % خلال سنة 2023.

وبخصوص معدل التضخم  فإن الفرضية التي بني  عليها  قانون  المالية  تحدد  نسبة التضخم  في % 2  و تبقى هذه  الفرضية جد  صعبة على  اعتبار  ان نسبة  التضخم  قد بلغت اقصى مستوياتها  في  شهر  غشت الماضي  حيت تم  تسجيل  نسبة % 8 و يجب  التعامل بحذر بخصوص نسبة التضخم المتوقعة خلال سنة 2023  نظرا للتحولات التي  تشهدها الاسواق  العالمية  بخصوص اسعار  العديد من المواد الاساسية خصوصا الغاز و البترول  حيث سجل  مؤخرا  ارتفاعا  ملحوظا في أسعار  البترول  خصوصا  بعدما  قررت منظمة  اوبيك خفض مستوى الإنتاج العالمي.

وبخصوص القطاع الفلاحي  فإن التوقعات  خلال  سنة 2023 تشير  إلى أن انتاج الحبوب  قد يتراوح  ما  بين 70 و 80 مليون  قنطار  إلا ان  هذه الفرضية تبقى  جد ضعيفة نظرا لارتباطها  بالتقلبات المناخية والتساقطات المطرية.

و يرتكز مشروع  قانون المالية لسنة 2023   والدي بدأت مناقشته بالبرلمان  على  اربعة محاور وهي:

  1. ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية؛
  2. انعاش الاقتصاد الوطني؛ 
  3. تكريس  العدالة المجالية ؛
  4. استعادة الهوامش المالية 

المحور الأول:  ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية

فبما يخص  الشق  الاجتماعي فإن  مشروع قانون  المالية لسنة 2023،  يقترح مجموعة من  الاجراءات التي  تدخل في  إطار تنزيل  مقتضيات النموذج التنموي  الجديد  و دلك من خلال.

مواصلة تنزيل  ورش  الحماية  الاجتماعية، و دلك عبر  الإسراع  بإخراج السجل  الاجتماعي الموحد حيث  يتوقع   ان يصل عدد المستفيدين من  نظام التامين الاجباري  على المرض حوالي 22 مليون مستفيد.

بالإضافة  إلى  تعميم  نظام التعويضات العائلية وفق  مقاربة جديدة تعتمد على الدعم المباشر حيث يتوقع ان يستفيد  حوالي  7 ملايين طفل من العائلات الفقيرة و الهشة.

وبخصوص قطاع  الصحة فإن المشروع يقترح رفع ميزانية القطاع بنسبة تقدر  ب 19%  سنة 2023،  و ذلك بهدف تحسين العرض  الصحي  و العمل على تنزيل القانون الإطار المرتبط بالمنظومة الصحية الذي تمت المصادقة عليه هذه السنة.

وبخصوص قطاع التعليم يهدف  المشروع إلى تنزيل  خارطة اصلاح المنظومة التعليمية  2022-2026، وذلك بهدف خفض الهدر المدرسي بنسبة 30%  و رفع معدل  تمكين المتعلمين من  الكفايات الاساسية بحوالي% 70 عوض  %30 ، بالإضافة  إلى  الاستثمار في  البنية التحتية و تحقيق العدالة المجالية  و دعم برامج  التعليم الاولي.

و ارتباطا بالقطاع الاجتماعي، و فبما يتعلق  بقطاع السكن يقترح  المشروع توفير دعم مباشر سيتفيد منه  أصحاب  الدخل المحدود وفقا للسجل الاجتماعي.

المحور  الثاني:  انعاش  الاقتصاد  الوطني 

بخصوص انعاش  الاقتصاد الوطني يقترح مشروع  قانون المالية مجموعة من الاجراءات من  بينها دعم الاستثمار العمومي  و الخاص على اعتبار ان الاستثمار  اليوم يشكل  رافعة اساسية لتحقيق الانعاش  الاقتصادي، و في هذا  السياق سيتم  العمل على تنزيل الميثاق  الجديد للاستثمار  الذي  تمت  المصادقة عليه خلال الدورة البرلمانية الحالية، ودلك بهدف  خلق  المزيد من فرص الشغل و القضاء  على الفوارق بين الجهات مع وضع  تحفيزات جديدة للمستثمرين وفق مقاربة قطاعية و مقاربة ترابية، إضافة إلى تفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار.

ومن أجل  تحسبن جاذبية الاقتصاد الوطني،  يقترح المشروع مجموعة أخرى من الاجراءات من بينها تنزيل القانون الإطار المرتبط بالإصلاح الضريبي باعتباره مرجعا أساسيا للسياسات  الجبائية، و كدلك العمل على تحسين مناخ الأعمال سواء على مستوى البنية التحتية و اللوجيستيكية.

المحور الثالث: تكريس العدالة المجالية

وذلك من  خلال توطيد الجهوية كخيار استراتيجي و بديل تنموي من أجل الرفع من نجاعة السياسات العمومية و  التقائيتها، وذلك في  بعدها الترابي و العمل على تقليص الفوارق بين الجهات خصوصا بالشق المتعلق  بالاستثمارات، و كذلك الولوج للخدمات العمومية الأساسية.

كما يقترح المشروع  مجموعة من الإجراءات  المرتبطة بمواصلة الاوراش  الكبرى لا صلاح  الادارة  و تبسيط المساطير الإدارية و الرقمنة بالإضافة  الى التسريع بميثاق اللاتمركز  بهدف الرفع من مردودية المرافق العمومية.

المحور الرابع: استعادة الهوامش المالية

من أجل  ضمان استدامة الإصلاحات يقترح مشروع قانون المالية توفير مجموعة من الهوامش المالية الممكنة لتوجيهها للمجالات ذات  الطابع الاقتصادي و الاجتماعي.

كدلك اعداد مقترحات حسب الاولوية المحددة مع الالتزام بضبط النفقات حسب التوجهات.

التقليص إلى أقصى حد من نفقات اقتناء السيارات و بناء و تهيئة المقرات.

إلزام المؤسسات العمومية التي  تستفيد من موارد مرصدة أو من  إعانات الدولة بإعداد ميزانيتها مع تحديد المشاريع التي سوف تستفيد من الاعتمادات.

 

*خبير في  السياسات العمومية و القضايا الاقتصادية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.