4"][/video]

الحكم الذاتي المغربي.. تكهنات للمستقبل

بقلم: عبدالله هداري*

لم يكن مُفاجئاً أن يصدر الديوان الملكي في المغرب، 30 الشهر الماضي (أكتوبر)، بلاغاً (بياناً) واضح العبارة، مباشرة بعد فشل تثبيت القرارين، الأمريكي والروسي، فالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية قضية مركزية تنبني عليها السياسة الخارجية للمغرب، وقضية وجودية شديدة الحساسية.

حمل البيان عبارات ذات دلالة واضحة، ولعلّها تُساعدنا على فهم طبيعة ما حدث، ليس لحظة فشل القرارين فحسب، بل ما حدث خلال 35 سنة داخل أروقة الأمم المتحدة. أولاً، اعتبر الديوان عدم التمديد للبعثة العسكرية للأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) “تطوّراً مهمّاً”، لأنّه يشكّل، بحسب عبارته، “طيّاً نهائياً لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة”، وهو ما يعني انتقال القضية الاستراتيجية الأولى للسياسة الخارجية المغربية من منطق التدويل الدولي إلى منطق ثنائي وإقليمي من دون أن يعني هذا خروجاً عن المظلّة الأممية، وإنّما، بحسب البيان دائماً، أنّ العملية الأُممية المؤسّساتية قد وصلت إلى سقفها الدبلوماسي المُمكن، وأصبحت وسيلة “مماطلة” و”جمود”، وهذا ما يفسّر وصفه في عبارة لافتة انتماء “المينورسو” إلى “سياق عفا عليه الزمن”.

ورغم إبداء المغرب من خلال البلاغ ارتياحه إلى هذا التطوّر، يؤكّد “بقوة” تمسّكه بوقف إطلاق النار، في مقابل “الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه، وأمنه الوطني، وطمأنينة مواطنيه”. إذن، القضية، وإنْ صارت خارج مظلّة البعثة الأُممية لحفظ السلام، فإنّها ليست خارج المظلّة الأممية بالمُطلق، وإنّما خارج مسارها المؤسساتي التقليدي، من دون أن ينفي هذا انفتاحها على عدّة تكهنات مستقبلية مختلفة. وإذا لم يكن مُفاجئاً صدور البلاغ لحظة فشل القرارين، فإنّه من غير المُفاجئ أيضاً ألا يكون هنالك عِلم مُسبق لأطراف النزاع بطبيعة الخطوة الروسية التي سيصرّح وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في حواره مع القناة الثانية المغربية، بأنّ المغرب قد أُحيط علماً من الروس بطبيعة هذه الخطوة، وهو تصريحٌ من جهة مغربية ذات صفة سياسية رسمية، لا يمكنها ادّعاء أمر يمكن تكذيبه في ما بعد، وهو ما يزيد من نسبة تعقيد التكهنات السابقة، حول طبيعة المسار السياسي لقضية الصحراء مستقبلاً؟

انتقال القضية الاستراتيجية الأولى للسياسة الخارجية المغربية من منطق التدويل الدولي إلى منطق ثنائي وإقليمي من دون أن يعني هذا خروجاً عن المظلّة الأممية

أولاً، ولفهم طبيعة ما حصل، لا بُدّ أن نعي جيداً طبيعة التحوّل الدولي في السياسة العالمية. وكما يعلم الجميع، النظام الدولي الذي أُرسيت قواعده بعد الحرب العالمية الثانية بدأ في التفكّك، كما أنّ الولايات المتحدة بدأت تفقد دورها العالمي أو تتخذ أسلوباً مُغايراً يقلّل من حضورها المُباشر بأكبر قدر مُمكن؛ فالصين اليوم، إلى جانب روسيا وقوى أخرى عديدة صاعدة، بدأت تتحرّك وفق توافقات ومصالح تنبني على واقع الفوضى العالمية الجديدة، وهي فوضى خلاقة رغم ذلك كلّه.

إذن، نحن أمام واقع قلق، يصعب التكهن بدقّة بمآلات الأمور فيه؛ وليس أمامنا، حسب سيرجي شميمان في مقالته “النظام العالمي انتهى، وهذا ما سيأتي بعده” (“نيويورك تايمز”، 18 أكتوبر)، غير التكهّن بالمستقبل من خلال سيناريوهاتٍ لسنا في حاجةٍ إلى عرضها، فما يهمنا صلة ذلك كلّه بالسياسة الخارجية المغربية.

لعلّ الصلة المباشرة للمغرب بهذا الوضع العالمي القلق تبدو واضحة، من خلال طبيعة النهج البراغماتي الذي صار يوجّه سياساته الخارجية؛ فإذا كانت “قضية الصحراء المغربية”، حسب الباحث المغربي سعيد صديقي (التموضع الاستراتيجي للمغرب، المعهد المغربي لتحليل السياسات)، هي المفسّر الأول لكلّ توجّهات السياسة الخارجية للمغرب وتموضعاتها، فإنّ ذلك قد دفع به إلى تكييف (وتغيير) نمطه السياسي القديم القائم على الاصطفاف مع القوى التقليدية، أوربا والولايات المتحدة. وحسب صديقي دوما، الاتجاه نحو مرونة أكبر في الاصطفاف، وتحوّلٍ مُستمرٍّ ينبني على المصلحة، وتنويعٍ في الأطراف السياسية الشريكة، التقليدية أو الصاعدة، وحضورٍ سياسيٍّ أكبر في إفريقيا، وفي عديد من قضايا النزاع في المنطقة (المسألة الليبية مثلاً)، بالإضافة إلى نهج أكثر حزماً في تبنّي سياسة تقوم على الندّية، مع الحلفاء التقليديين وغيرهم.

ولهذا، كان سير المغرب في اتجاه تنويع حلفائه وجعلهم يلتفون حول خيار الحكم الذاتي ناجحاً على المستوى الدبلوماسي؛ وهو نجاحٌ يُقاس بحجم المغرب إقليميّاً ودوليّاً، باعتباره قوّة إقليمية ودولية يمكن وصفها بالمتوسّطة إلى حدٍّ ما. وهذا النجاح هو الذي تُرجم في انتزاعه قرار مجلس الأمن 2797، الذي أكّد مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات. غير أنّ هذا القرار والمكسب الأُممي، وبعد انتهاء عمل بعثة “المينورسو”، يجعلانِنا نعي طبيعة التوجّه السياسي المغربي هنا، والذي يجعل من الحكم الذاتي خطّاً أحمر وسقفاً لا يمكن تجاوزه، هذا من الناحية الأولية. وأمّا عدم التمديد للبعثة وانسحابها من منطقة النزاع، فيجعل من طبيعة الحضور الأممي في الميدان، حسب المغرب، مسألةً ذات أثر سلبي على القضية برمّتها، أي أنّ الخيار الأُممي لا يعني استسلام المغرب لكلّ ما قد تمليه عليه أطراف النزاع، أو فقدانه سيادته الفعلية على أقاليمه الصحراوية، كما أنّ الخيار الأممي لا يمكن قبول تحوّله إلى وسيلةٍ للاستمرار في تمديد عمر النزاع، الذي يبدو أنّ المغرب لم يعد مُتقبّلاً مسألة استمراره مدّة أطول.

وإذا كان باحثون وخبراء عديدون قد فسّروا إقدام المغرب على الترحيب بهذه الخطوة، إلى جانب مسابقته الزمن في طي صفحة هذا الملف، إنّما ترتبط بسياق رئاسة دونالد ترامب، أو السياسة “الترامبية”، وما تُقبل عليه الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي، فذلك أمرٌ لا يمكن الحسم فيه بالكلية، ذلك أنّ طبيعة العلاقات الدبلوماسية التي تميّز السياسة الخارجية المغربية اليوم تكشف محدودية هذا التفسير، من دون أن تنفيه أيضاً، نظراً إلى حفاظ المغرب على صلات مُتوازنة يطبعها الحذر الشديد، والموازنة الاستراتيجية في تبادل المصالح، مع مختلف الفاعلين الدوليين، بما فيهم روسيا والصين.

كان سير المغرب في اتجاه تنويع حلفائه وجعلهم يلتفون حول خيار “الحكم الذاتي” ناجحاً على المستوى الدبلوماسي

ورغم أنّ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غويتريس، قد أبدى، في بيان صادر عن الأمم المتحدة (1 نوفمبر الحالي)، قلقه من الوضع الأمني وخطر تصاعد الأعمال العدائية، وهو هنا يذكّر الأطراف بأحد السيناريوهات التي يمكن أن ينجر إليها الملف، لم يغفل التذكير بأنّ الأمم المتحدة مُستعدّة دوماً لدعم جهود تعزيز الحوار والحل السلمي.

ويعني هذا الكلام، بطريقةٍ غير مباشرة، أنّ القضية، كما جاء في بيان الديوان الملكي، أضحت رهينة طرفي النزاع المباشرين، المغرب وجبهة البوليساريو بالدرجة الأولى؛ وإقليمياً، رهينة الداعم الرئيس، وهو الجزائر، ثم بقية الدول التي يختلف حجم صلتها بهذا الملف، قرباً أو بعداً. ولكن، لا يمكن أن ننفي أنّ غياب الجانب الأممي المؤسّساتي هنا، سيغيّر من طبيعة التفاوض والحوار التي ستحتكم إلى مراهناتٍ عدّة، أُولاها طبيعة مسارات التفاوض الثنائية والإقليمية، ثم تقلّبات القوى الدولية، وحجم تأثيرها وصلتها بكلّ أطراف النزاع، وتقلّبات مصالحها المُتبادلة.

وفي المحصلة، يصل مستقبل ملف الصحراء المغربية، ولأوّل مرّة منذ نشوء النزاع، إلى لحظة سياسية مفصلية لطالما نادى السياسيون والحقوقيون المغاربة بالالتفات إليها، وهي ضرورة تمتين البناء الديمقراطي المؤسّساتي المغربي، وتفعيل الحقوق والحرّيات العامة، وتحويل سياسة الجهوية الموسّعة إلى فاعلية مؤسساتية وتنموية حقيقية، وهي خيارات لم يعد المغرب في حلّ من أمره في الاختيار بينها، بالأخص إذا كان وجودها أو عدمه يؤثّر بشكل مباشر في النجاح الفعلي لخيار الحكم الذاتي، بالإضافة إلى نجاح تنزيله، ومنحه، إلى جانب واقعيته ومصداقيته التي حصّلها دولياً، جاذبية سياسية عند مختلف الصحراويين.

* باحث مغربي حاصل على شهادة الماجستير بوحدة “الحوار الحضاري والديني وقضايا التجديد في الثقافة الإسلامية” كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة السلطان مولاي سليمان مدينة بني ملال

عن “العربي الجديد”

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.