4"][/video]

فرنسا… أسئلة للمستقبل

بقلم: بيير لوي ريمون*

ترددت بين أن يحمل عنوان مقال هذا الأسبوع “الصورة الخارجية” أو “أسئلة للمستقبل”. لكن على خلفية الاحتقان المالي والاجتماعي الذي تعيشه فرنسا، من المنطقي الربط بين “الصورة الخارجية” و”المستقبل”، بل من المنطقي جدا.

اقتراب الديْن الفرنسي من 120 % من الناتج المحلي الإجمالي، اتساع عجز الموازنة، زيادة تكلفة الاقتراض، تصاعد تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، ضرورة الدخول في سياسات تقشف كان لا بد من اعتمادها تدريجيا، لتجنب الغضب الشعبي وتهديد استقرار النموذج الاجتماعي، كل هذه العوامل أوصلت الكثير ممن يشاهدنا من الخارج، إلى طرح السؤال الجوهري: هل انتهت دولة الرفاه في فرنسا؟

هذا السؤال تفضلتْ به -أقول تفضلتْ فعلا- إحدى القنوات الإخبارية العربية كمحور إعدادي لبرنامج نقاشي طرح جوهر الموضوع.

عجز فرنسا عن “العودة إلى التوازن”، حسب العبارة التقليدية التي نستعملها، دلالة على عجز الموازنة الفرنسية، عبارة قابلة للتطبيق على شتى المجالات الحيوية التي تسيرها الدولة. ولا أتحدث هنا عن القطاعات الإنتاجية الواقعة تحت وصاية الوزارات فقط، بل عن وسائل وغايات سياسية شاملة نخر كيانَها عدمُ الاتزان في تمويل النموذج الاجتماعي، وبالتالي في خفض عجز الموازنة، ما أضعف من تنافسية الدولة، بما أثقل الاقتطاعات الضريبية والمساهمات الاجتماعية. وهكذا، وقع بلدنا في فخ دولة الرفاه بلا حدود، الذي حول واحدة من أسمى الطموحات الاجتماعية إلى أكثر الأزمات حدة، نتيجة سوء تقدير لتكلفة التمويل.

المقاولات، عصب الحياة الاقتصادية، كان من المفروض أن تحل معادلة التنافسية والتشغيل، وكانت العملية فعلا بمثابة مخاض جدير بإطلاق ثورة إصلاحية على الاقتصاد الفرنسي

هل تستطيع الحكومة خفض العجز من دون المساس بالخدمات والحماية الاجتماعية؟ ذلك هو السؤال الذي يطرحه المواطن على نفسه، في صياغة تنجر مباشرة عن مساءلة لدولة الرفاه، كنتيحة منطقية لسؤال آخر أكثر حدة وهو السؤال التالي: “لماذا تحولت إصلاحات الإنفاق والتقاعد إلى مصدر دائم للاحتجاجات؟”. وهذا السؤال، الذي تفضلت القناة أيضا بطرحه، يرجعنا إلى جانب آخر من الأزمة، وهو جانبها السياسي الضاربة جذوره في إخفاق العقيدة السياسية الفرنسية في تبني مفهوم الإصلاح في حد ذاته. السؤال مبني على طرح ضمني، “كان من المفروض أن تتحول إصلاحات الإنفاق والتقاعد إلى مصدر للاحتجاجات مؤقت على أبعد تقدير”. بعبارة أخرى، كان من المفروض أن يكون النمط الإصلاحي ممارسا ومستوعبا منذ فترة، فتكون فرنسا قد نجحت في إدماج مقتضيات مجتمع حديث يستجيب لقواعد السوق العالمية.

تحدثت عن التنافسية.. المفهوم هنا جذري، لأن التنافسية الاقتصادية التي تسمح لدولة أن تفرض نفسها في السوق العالمية، تفرض بدورها أن تكون جميع ركائز التنافسية مضمونة مسبقا.  وهنا، أتحدث عن نموذج الديمقراطية الاجتماعية، الذي حاولت فرنسا دائما إثباته خلال فترات متعاقبة من تاريخها، لكنها عجزت دائما عن تحويله إلى نموذج صامد قابل للتأقلم مع عثرات الزمان وويلات الدهر. لهذا السبب بالذات، تحول ما كان بإمكانه البقاء في صورة عثرة زمن، أو ويلات دهر، إلى كائن ممسوخ فرّط في مبدإ توزيع الثروة وضمان التنافسية معا. أكثر من حاول إدخال ضوابط الديمقراطية الاجتماعية إلى المنظومة السياسية الفرنسية في زماننا كان فرانسوا هولاند. وفعله بذكاء، من دون التفريط في كينونة المنظومة الاشتراكية، ولكن، على العكس، بوضعها تدريجيا على سكة المنافسة الاقتصادية، محاولا تحقيق تناغم بين القطاعين العام والخاص باشرت به دول أوربية أخرى، خاصة الشمالية منها. كان هذا هو هدف “الخصم الضريبي للتنافسية والتشغيل” على المقاولات. المقاولات، عصب الحياة الاقتصادية الذي كان من المفروض أن يحل معادلة التنافسية والتشغيل، وكانت العملية فعلا بمثابة مخاض جدير بإطلاق ثورة إصلاحية على الاقتصاد الفرنسي في مسعى دؤوب لتقديم حل توفيقي يلبي مطالب أرباب المقاولات وسوق العمل في آن.

لكن معادلة التنافسية والتشغيل كان لا بد لها أن تتخطى حقل المقاولات لتصبح فلسفة فتشمل باقي المجالات، وعلى رأسها التعليم، وهو ما لم يتم. لقد ظلت الممارسة ممارسة “بتراء” لعقيدة كانت ستؤتي أكلها لو طبقت بنتيجتها المنطقية، أي خفض الضرائب وخفض الإنفاق العام، غير أنها انتهت بالفشل لأنها لم تطبق مبدأ الديمقراطية الاجتماعية كاملا.

ماذا يعني “تطبيق مبدإ الديمقراطية الاجتماعية كاملا”؟ هذا أيضا سؤال من أسئلة المستقبل الجوهرية التي لم يتم التعامل معها بالجدية البراغماتية اللازمة التي يمكن اختصارها في سؤال آخر: كيف تضمن دولةَ الرفاه بضبط الإنفاق العام؟

معادلة التنافسية والتشغيل ظلت ممارسة “بتراء” لعقيدة كانت ستؤتي أكلها لو طبقت بنتيجتها المنطقية، أي خفض الضرائب وخفض الإنفاق العام، غير أنها انتهت بالفشل لأنها لم تطبق مبدأ الديمقراطية الاجتماعية كاملا

يشكو وزير المالية الأسبق في حكومة جاك شيراك، تييري بروتون، وهو واحد من القلائل الذي تمكنت إدارته من إعادة الموازنة الفرنسية إلى سكة التوازن في تاريخ الجمهورية الخامسة، من أن الإنفاقات التي باتت تركز عليها الدولة الفرنسية منذ أزيد من أربعين عاما إنفاقات مشاريع واستثمارات بعيدة المدى فوتت استثمارات وإنفاقات عاجلة كان يستوجبها المدى القصير وكانت ستجنبها الوقوع في مطب عجز الموازنة. ويرجع بروتون، وكذلك اقتصاديون ومسؤولون سياسيون آخرون، أمثال رئيس الوزراء الأسبق فرانسوا بايرو، هذا الانحراف التدبيري وسوء التقدير الذي صاحبه، إلى آثار سنوات “الثلاثين المجيدة” التي تميزت بعد الحرب العالمية الثانية بارتفاع صاروخي لمعدل النمو والرفاه معا في الدول المتقدمة؛ فكان لا بد من وضع برنامج تصحيحي يركز على الأعجل: كيف يمكن إعادة هيكلة وتوجيه عقيدة سياسية برمجت للمدى البعيد، إلى عقيدة سياسية واقتصادية تتم برمجتها للمدى القصير وبأسرع وقت، كما تحتمه المطالب الاجتماعية والاستحقاقات الانتخابية؟

يوجد هنا جوابان رئيسيان: أولهما يفرض أن تتهيكل العقيدة وتتشكل بالتركيز على الأولويات، وهي معروفة: التعليم، الحد الأدنى للأجور، الطبقة المتوسطة؛ بعبارة أخرى الشباب والمستقبل، القدرة الشرائية وتلبية مطالب الشريحة التي تكون الضحية الأبدية للإصلاحات الضريبية. قد يقول قائل إن ذلك يفاقم من الإنفاق العام ولا يوفر أدنى فرصة للتحكم فيه، لا.. ليس بالضرورة. ليس بالضرورة، ويمكن هنا تناول مثال الوظيفة التي لا تتناغم جودتها دائما مع زيادة الإنفاق عليها. لو توقفنا عند حال التعليم عندنا تحديدا، لوجدنا في أكثر الحالات احتياطا من الأساتذة يمثلون موردا بشريا قابلا للاعتماد في حالات عاجلة، مثل تعويض التغيب المرضي للزملاء، وهذا مطلب كان بإمكان الحكومة الفرنسية أن تلبيه أصلا، فهي مسألة تنظيمية بحتة لأنها لا تحتاج إلى تمويل إضافي، خلافا لمبان ومرافق تركت في حال من التردي يعيد قاعات تدريس بعض المؤسسات التعليمية إلى العصر الحجري. وهنا نرى أن عادة ترتيب الأولويات، إذن، يشكل أحد أبرز أعمدة سياسة التدبير.

ويتمثل الجواب الثاني في تفعيل مفهوم الشراكة، ذلك المفهوم الذي لما يجد طريقه إلى التطبيق العملي في فرنسا لاستمرار البلد في تسيير الاقتصاد على نمط القطيعة بين “العام” و”الخاص” فيما يتوجب خلق سبل التكامل بينهما، ما يضمن خروج فرنسا النهائي من بقايا اقتصاد مسير يبقي الدولة في أسر أنماط بائدة تمنع تماما من مواجهة المستقبل ومجابهة أسئلته.

*باحث وأكاديمي وإعلامي وخبير في الشؤون الفرنسية والدولية، مقيم في مدينة ليون الفرنسية

عن “القدس العربي”

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.