في حوار من ثلاث أسئلة.. بوحوت يحدد الشروط الثلاثة للاستدامة السياحية بالمغرب
حاورته : هيام بحراوي
في حوار من ثلاث أسئلة ، مع موقع «معكم 24»، يقدم الزبير بوحوت، الخبير في المجال السياحي، قراءة في حصيلة مداخيل الأسفار بالمغرب إلى غاية نهاية شتنبر 2026، ودلالات استمرار نموها رغم تراجع وتيرة الارتفاع مقارنة بالسنة الماضية.
ويناقش الحوار أسباب تباطؤ نمو المداخيل والوافدين السياحيين، ومدى ارتباط ذلك بدينامية الانتعاش السياحي وقدرة الوجهة المغربية على تعزيز تنافسيتها ورفع القيمة الاقتصادية لكل سائح.
كما يتوقف بوحوت عند الشروط الضرورية لضمان نمو سياحي مستدام، وفي مقدمتها تعزيز الربط الجوي، وتوسيع الطاقة الإيوائية، وتحقيق توزيع مجالي أكثر توازنا للعائدات، في أفق بلوغ أهداف القطاع السياحي لسنة 2030.
رغم بلوغ مداخيل الأسفار بالمغرب 115,257 مليار درهم إلى غاية نهاية شتنبر 2026، بزيادة قدرها 12,1% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، كيف تقيمون هذه الحصيلة؟ وإلى أي حد تعكس استمرار جاذبية الوجهة السياحية المغربية وقدرة القطاع على الحفاظ على ديناميته؟
الحصيلة المسجلة إلى غاية نهاية شتنبر 2026، ببلوغها 115,257 مليار درهم ونمو 12,1%، هي حصيلة إيجابية ومهمة تؤكد أن القطاع السياحي المغربي دخل مرحلة النضج والاستقرار في النمو، وليس مجرد انتعاش ظرفي لما بعد الجائحة.
هذه الأرقام تعكس أمرين أساسيين:
أولا، استمرار جاذبية وجهة المغرب وقدرتها على الحفاظ على ديناميتها حتى خارج فترات الذروة، وهو ما يدل على نجاح استراتيجية تنويع الأسواق والمنتجات.
ثانيا، أن النموذج السياحي المغربي أبان عن صلابة. لكن تقييم هذه الحصيلة لا يجب أن يتوقف عند حجم المداخيل، بل يجب أن يطرح سؤالا أعمق حول طبيعة هذا النمو: هل نحن أمام نمو كمي بعدد الوافدين فقط، أم نمو نوعي قادر على توليد قيمة اقتصادية أكبر؟ فتباطؤ نمو المداخيل بالعملة الصعبة لا يعكس تراجعا في مردودية النموذج، لكنه مؤشر يستدعي تحليل مدى قدرة القطاع على تحويل كل وافد إلى قيمة مضافة حقيقية.
تشير المعطيات إلى تراجع معدل نمو مداخيل الأسفار من 16,06% في نهاية شتنبر 2025 إلى 12,1% خلال الفترة نفسها من سنة 2026، كيف تقرؤون هذا التباطؤ؟ وهل يتعلق الأمر بتراجع زخم الانتعاش السياحي أم بمؤشرات تستدعي مراجعة آليات تنمية القطاع وتعزيز تنافسيته؟
هذا التراجع في وتيرة النمو، من 16,06% المسجلة بين شتنبر 2024 (88,614 مليار درهم) وشتنبر 2025 (102,848 مليار درهم)، إلى 12,1% بين شتنبر 2025 وشتنبر 2026، لا يمكن قراءته كتراجع لزخم الانتعاش السياحي أو فقدان للتنافسية.
قراءتنا هي أنه تباطؤ طبيعي ومتوقع بعد سنتين من نمو استثنائي وسريع، لكنه يأتي بالتوازي مع تباطؤ تطور عدد الوافدين، مما يؤكد الارتباط الوثيق بين حجم التدفقات ومستوى المداخيل.
هذا التباطؤ هو في الواقع جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة آليات التنمية. فالرهان الأساسي للمرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على استقطاب مزيد من السياح، بل يتعين أن ينصب على رفع القيمة الاقتصادية التي ينتجها كل سائح. وهذا يقتضي تجاوز منطق قياس الأداء بعدد الوافدين وحده، نحو مؤشرات أكثر دلالة: متوسط الإنفاق السياحي، ومدة الإقامة، وعدد ليالي المبيت، وطبيعة الخدمات المستهلكة. كما يستدعي تطوير منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة، تشمل السياحة الثقافية والتراثية والطبيعية، وسياحة الأعمال والتجارب المحلية الأصيلة، إلى جانب تحسين جودة الخدمات والارتقاء باحترافية الفاعلين لتشجيع السائح على تمديد إقامته واكتشاف أكثر من وجهة.
في ظل التباطؤ المسجل على مستوى الوافدين السياحيين وانعكاسه المباشر على مداخيل الأسفار، إلى أي حد أصبح تعزيز الربط الجوي وتوسيع الطاقة الإيوائية وتحقيق توزيع مجالي أفضل للقيمة المنتجة شروطا أساسية لضمان نمو سياحي مستدام وتجاوز هذا التباطؤ؟
في ظل التباطؤ المسجل على مستوى الوافدين وانعكاسه المباشر على المداخيل، أصبحت هذه الشروط الثلاثة ليست مجرد روافع تحسينية، بل شروطا بنيوية وحاسمة لضمان نمو سياحي مستدام وتجاوز هذا التباطؤ.
أ. تعزيز الربط الجوي: يرتبط التباطؤ بمدى قدرة المنظومة على توفير شروط نمو أكثر دينامية، وفي مقدمتها تسريع تعزيز الربط الجوي، وتوسيع شبكة الخطوط الدولية، والرفع من عدد الرحلات والمقاعد الجوية، مع تسريع وتيرة التفاوض والتعاقد مع شركات الطيران، وخاصة منخفضة التكلفة، وتفعيل الاتفاقيات المبرمة. دون مقاعد إضافية لا يمكن استيعاب الطلب.
ب. توسيع الطاقة الإيوائية: يظل تطوير الطاقة الإيوائية وتأهيل المؤسسات الفندقية وتنويع العرض السياحي شرطا أساسيا لاستيعاب الطلب وتحفيز نمو الوافدين. فالعديد من الوجهات وصلت إلى التشبع خلال الذروة.
ج. التوزيع المجالي للقيمة: لا يمكن تحقيق هذه الأهداف دون اعتماد مقاربة أكثر تكاملا بين النقل الجوي والاستثمار السياحي والترويج الترابي. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تشكل خارطة الطريق السياحية 2027-2030 محطة للانتقال إلى نموذج أكثر توازنا ونجاعة.
وعلى العموم فهدف 26 مليون سائح في أفق 2030 هو هدف يمكن تجاوزه، كما أثبتت الدينامية الحالية، لكن يجب أن يواكبه تحديد أهداف واضحة بشأن مداخيل السياحة بالعملة الصعبة، ومتوسط الإنفاق، ومدة الإقامة، ومناصب الشغل، والاستثمارات، وحصة الجهات من القيمة المنتجة. كما يتعين الحد من تمركز النشاط والعائدات في الوجهات التقليدية ، وفتح آفاق أوسع أمام المجالات الترابية التي تتوفر على مؤهلات سياحية واعدة، لأن نجاح النموذج السياحي لن يقاس مستقبلا بعدد السياح فحسب، بل بحجم القيمة والثروة التي يساهمون في إنتاجها لفائدة الاقتصاد الوطني وتوزيعها العادل على كل جهات المملكة.