4"][/video]

القانون الفرنسي يهز مراكز النداء بالمغرب.. تسريحات تضغط على القطاع والتحول الرقمي يفرض نفسه

غزلان الورزازي

بدأت التداعيات العملية للقانون الفرنسي الجديد الذي يشدد القيود على الاتصالات التجارية الهاتفية غير المرغوب فيها في الظهور داخل قطاع مراكز النداء بالمغرب، مع تسجيل مؤشرات أولية على إغلاق بعض المراكز واختفاء علامات تجارية وتسريح عشرات العاملين، خصوصاً بمدينة الدار البيضاء، في وقت يواجه فيه القطاع أحد أكبر التحولات التي عرفها خلال السنوات الأخيرة.

ويفرض التشريع الفرنسي، الذي دخل حيز التنفيذ في 11 غشت 2026، الانتقال من نظام كان يسمح بالاتصال بالمستهلك ما لم يطلب عدم الاتصال به، إلى نظام يقوم على مبدأ الموافقة المسبقة. وبموجب القواعد الجديدة، لا يمكن إجراء مكالمة تسويقية تجارية ما لم يكن المستهلك قد أعطى موافقته الصريحة مسبقاً، مع إلزام الشركات بالاحتفاظ بما يثبت هذه الموافقة لمدة ثلاث سنوات.

وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة بالنسبة لمراكز النداء المغربية، بالنظر إلى الارتباط التاريخي القوي للقطاع بالسوق الفرنسية. فقد سبق أن حذرت الحكومة المغربية من إمكانية تأثر ما بين 40 ألفاً و50 ألف منصب شغل، في حين تشير معطيات مهنية إلى أن السوق الفرنسية تمثل نسبة كبيرة من نشاط القطاع.

غير أن حجم التأثير الفعلي يظل موضوعاً لتقديرات مختلفة. فالفيدرالية المغربية لترحيل الخدمات تعتبر أن التسويق الهاتفي لا يمثل سوى أقل من 15 في المائة من نشاط مراكز الاتصال، بعدما توسع القطاع ليشمل خدمات علاقات الزبناء، والدعم التقني، والأعمال الخلفية، وخدمات التعهيد، والرقمنة والذكاء الاصطناعي. ووفق هذا التصور، فإن الشركات الأكثر تعرضاً للضغط هي أساساً تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على المكالمات الصادرة الموجهة إلى المستهلكين في فرنسا.

لكن ظهور حالات إغلاق وتسريح في الدار البيضاء يعطي للنقاش بعداً اجتماعياً يتجاوز الأرقام والنسب. فمراكز النداء ظلت لسنوات من بين القطاعات التي وفرت فرصاً واسعة أمام الشباب، ما يجعل أي تراجع مفاجئ في بعض الأنشطة قابلاً للانعكاس مباشرة على سوق الشغل، خصوصاً بالنسبة للمقاولات الصغيرة التي لا تمتلك بالضرورة القدرة نفسها على تنويع خدماتها وأسواقها.

وفي المقابل، لا يبدو أن الأزمة المحتملة مرتبطة بالقانون الفرنسي وحده. فالقطاع يواجه في الوقت نفسه تسارعاً كبيراً في استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وهو ما يعيد طرح سؤال أوسع حول مستقبل الوظائف التقليدية في مراكز الاتصال، ومدى قدرة العاملين على الانتقال إلى وظائف ذات قيمة مضافة أعلى. وقد بدأ عدد من الفاعلين في القطاع بالفعل في إعادة تأهيل جزء من الموارد البشرية لمواكبة هذا التحول.

وبذلك، يجد قطاع ترحيل الخدمات بالمغرب نفسه أمام اختبار مزدوج: من جهة، ضرورة امتصاص الصدمة التي قد تصيب الأنشطة المرتبطة مباشرة بالتسويق الهاتفي في السوق الفرنسية، ومن جهة أخرى، تسريع إعادة هيكلة القطاع نحو الخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ومعالجة البيانات، وخدمات الأعمال ذات القيمة المضافة المرتفعة.

ولا يتعلق التحدي فقط بالحفاظ على الوظائف الحالية، بل أيضاً بقدرة المغرب على الحفاظ على موقعه التنافسي في سوق دولية تتغير قواعدها بسرعة. فاستمرار الاعتماد الكبير على سوق واحدة أو على نموذج تقليدي لخدمات مراكز النداء قد يزيد من هشاشة بعض الفاعلين، بينما يمكن لتنويع الأسواق والخدمات والاستثمار في الكفاءات الرقمية أن يحول الضغط الحالي إلى فرصة لإعادة تموقع القطاع.

وفي هذا السياق، يبدو أن مستقبل مراكز النداء المغربية لن يتحدد فقط بمدى تأثير القانون الفرنسي، وإنما بقدرة الفاعلين والحكومة والمهنيين على استباق التحولات التنظيمية والتكنولوجية، وتأهيل الموارد البشرية، وفتح أسواق جديدة، حتى لا يتحول تراجع نموذج التسويق الهاتفي التقليدي إلى أزمة في التشغيل، بل إلى مرحلة انتقال نحو نموذج أكثر تطوراً واستدامة.

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.