مناظرات فرنسا تناقش الأجور والضرائب والتقاعد.. وفي المغرب الانتخابات على الأبواب
معكم 24/ تحليل
في فرنسا، الانتخابات الرئاسية المقبلة ما زالت على بُعد سنة تقريباً، ومع ذلك بدأ السباق السياسي مبكراً، ليس عبر تبادل الاتهامات أو الصراع حول ترتيب الأسماء داخل اللوائح، وإنما عبر مناقشة الأسئلة التي تهم المواطن مباشرة: كم سيكسب؟ كم سيدفع من الضرائب؟ متى سيتقاعد؟ كيف ستتراجع المديونية؟ وأي نموذج اقتصادي تريد فرنسا أن تتبناه؟
هذا الأسبوع، اجتمع سبعة مرشحين في مناظرة سياسية أمام أكثر من 6000 من رجال وسيدات الأعمال، وعلى مدى ثلاث ساعات تقريباً، قدم كل واحد منهم رؤيته ومقترحاته واختياراته، في مواجهة مباشرة مع خصومه.
لم يكن المطلوب أن يتفقوا.بل العكس تماماً.قيمة المناظرة كانت في الاختلاف.يمين في مواجهة يسار، وليبراليون في مواجهة اشتراكيين، وتصورات متباينة حول الضرائب والأجور والتقاعد والاستثمار والإنفاق العمومي والمديونية. كل طرف يحاول إقناع الناخب بأن برنامجه هو القادر على معالجة مشاكل البلاد.
وهنا تكمن أهمية السياسة الحقيقية: أن يعرف المواطن ماذا سيحدث إذا منح صوته لهذا الحزب أو ذاك.
أما في المغرب. فالمشهد مختلف! في المغرب، والانتخابات التشريعية لم يعد يفصلنا عنها سوى أسابيع، كان يفترض أن تدخل الأحزاب مرحلة عرض البرامج ومناقشة البدائل، وأن يخرج المرشحون إلى المواطنين بأجوبة واضحة حول الأسعار، والأجور، والصحة، والتعليم، والتشغيل، والسكن، والتقاعد، والاستثمار، والعدالة المجالية.
لكن المشهد الذي يطغى على النقاش العمومي يبدو مختلفاً إلى حد كبير.هذا المرشح «سرق التزكية» من ذاك.وهذا الحزب وضع ابنه أو ابنته في اللائحة.وذاك حصل على التزكية، وآخر يتهمه خصومه بدفع المال من أجلها.
ثم تبدأ حرب التصريحات والاتهامات والردود، وكأن الانتخابات أصبحت في جزء كبير منها مسابقة حول من حصل على التزكية ومن حُرم منها.أما السؤال الذي يفترض أن يكون في قلب العملية الانتخابية، فيبقى في الخلفية:ماذا ستفعلون إذا وصلتم إلى البرلمان؟وماذا ستفعلون إذا شاركتم في الحكومة؟كيف ستخفضون الأسعار؟كيف سترفعون القدرة الشرائية؟كيف ستخلقون فرص الشغل؟كيف ستصلحون المدرسة العمومية؟كيف ستقلصون الضغط على المستشفيات؟كيف ستتعاملون مع أزمة السكن؟كيف ستواجهون الفوارق بين المدن والمناطق القروية والجبلية؟وكيف ستدبرون المال العام دون تقديم وعود أكبر من قدرة الدولة على تمويلها؟هذه هي الأسئلة التي يفترض أن يسمع الناخب أجوبتها.
المشكلة ليست في «التزكيات»… بل في ابتلاعها للنقاش
من الطبيعي أن تثير التزكيات صراعات داخل الأحزاب، ومن الطبيعي أيضاً أن يحتج مرشحون على طريقة تدبيرها أو يتهموا منافسينهم بممارسات غير قانونية.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح هذه القضايا هي السياسة نفسها.فالحزب السياسي ليس وكالة لتوزيع التزكيات، والانتخابات ليست مسابقة في اختيار أكثر الوجوه قدرة على جمع الأصوات.الانتخابات في جوهرها اختيار سياسي.والناخب لا ينبغي أن يذهب إلى صندوق الاقتراع وهو يعرف فقط اسم المرشح وصورته وحزبه، بل يفترض أن يعرف أيضاً: ما الذي يريد هذا المرشح تغييره؟ وما الذي يستطيع فعلاً تغييره؟ وكم سيكلف ذلك؟ ومن أين سيأتي بالتمويل؟وهنا تحديداً تظهر أزمة البرامج السياسية.
من «الشعار» إلى البرنامج
لسنا بحاجة إلى برامج انتخابية من مئات الصفحات لا يقرأها أحد.المواطن يريد ببساطة أن يسمع إجابات قابلة للفهم:ماذا ستفعلون في السنة الأولى؟كم ستكلف مشاريعكم؟
من أين سيأتي التمويل؟ما الذي ستغيرونه في الضرائب؟ماذا ستفعلون مع البطالة؟كيف ستواجهون ارتفاع الأسعار؟ما هي أولوياتكم في الصحة والتعليم؟ماذا ستفعلون للمناطق التي ما زالت تعاني من العزلة وضعف البنيات الأساسية؟
وإذا كان المرشح يعد المواطنين بزيادة الأجور أو الدعم أو الاستثمار، فمن حقهم أن يعرفوا كيف ستُموَّل هذه الوعود.السياسة ليست فقط أن تقول للناس ما يحبون سماعه، وإنما أن تقنعهم بأن ما تقوله قابل للتنفيذ.نحتاج إلى مناظرات… لا إلى مهرجانات انتخابية فقطالمغرب لا تنقصه القاعات ولا المنصات ولا وسائل الإعلام.
ما ينقصه هو مناظرة سياسية حقيقية.
مناظرات تجمع المرشحين والأحزاب أمام المواطنين، ويُطرح فيها السؤال نفسه على الجميع، ويُمنح كل طرف الوقت نفسه، ثم تتم محاسبته على ما قاله.
مناظرات حول الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والتشغيل، والضرائب، والحماية الاجتماعية، والماء، والفلاحة، والسكن، والنقل، والتنمية القروية، والسياسات العمومية.