حزب الاستقلال والمحروقات.. لماذا يرفض الحزب الحلول السهلة؟

معكم 24

عندما يتعلق الأمر بالقدرة الشرائية للمغاربة، لا يكتفي حزب الاستقلال بإطلاق المواقف أو رفع الشعارات، بل يحرص على ربط كل مقترح بمدى تأثيره الحقيقي على حياة المواطنين وعلى التوازنات الاقتصادية والاجتماعية للدولة. ولذلك، فإن موقفه من ملف المحروقات لم يكن وليد اللحظة، ولا مجرد رد فعل على سجال سياسي عابر، وإنما يعكس تصورا متكاملا لكيفية حماية المستهلك دون الإضرار بالمصلحة العامة.

لقد ارتبط اسم حزب الاستقلال، منذ نشأته، بالدفاع عن الطبقة الوسطى والفئات الهشة. فهو الحزب الذي جعل من العدالة الاجتماعية إحدى ركائز مشروعه السياسي، ورافع لعقود من أجل تحسين الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، وإرساء نموذج اقتصادي يوفق بين تشجيع الاستثمار وضمان العدالة في توزيع الثروة.

ومن هذا المنطلق، يبدو من الطبيعي أن ينخرط الحزب في النقاش الدائر حول أسعار المحروقات، باعتبارها مادة تؤثر بشكل مباشر في تكاليف النقل والإنتاج والأسعار بشكل عام. غير أن الحزب يرفض أن تتم معالجة هذا الملف بمنطق الحلول السريعة التي قد تبدو مغرية في البداية، لكنها تحمل في طياتها كلفة ثقيلة على الدولة والمجتمع.

فخلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أصوات تطالب بتسقيف أسعار المحروقات، معتبرة أن الدولة مطالبة بالتدخل المباشر لفرض سقف معين للأسعار حماية للمستهلك. وقد يبدو هذا الطرح بسيطا ومقنعا، لكنه يطرح سؤالا أساسيا: إذا كان السعر الحقيقي للمحروقات أعلى من السعر الذي سيحدد للمواطن، فمن سيدفع الفرق؟

بالنسبة لحزب الاستقلال، فإن الجواب واضح: الدولة ستتحمل الفارق من المال العام، أي من الضرائب التي يؤديها المواطنون، ومن الميزانيات المخصصة لقطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

وهنا يطرح الحزب إشكالا جوهريا يتعلق بالعدالة الاقتصادية. فهل من المقبول أن تتحمل الدولة مليارات الدراهم لدعم الأسعار، بينما تستمر شركات المحروقات في تحقيق أرباح مرتفعة؟ وهل من المنطقي أن يؤدي المواطن ثمن الوقود عند المضخة، ثم يؤدي مرة أخرى جزءا من كلفة دعمه من خلال الضرائب؟

إن حزب الاستقلال يعتبر أن مثل هذا التوجه قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنه لا يعالج أصل المشكلة، بل ينقلها من جيب المستهلك إلى خزينة الدولة. ولذلك يدافع عن خيار مختلف، يقوم على تسقيف الأرباح وليس تسقيف الأسعار.

هذه الفكرة تنطلق من مبدأ بسيط: إذا كانت هناك اختلالات في السوق أو هوامش ربح مبالغ فيها، فإن الحل لا يكون بضخ المال العام، وإنما بضبط السوق وضمان منافسة حقيقية وشفافة، حتى يستفيد المواطن من أسعار عادلة دون أن تتحمل الدولة أعباء إضافية.

فالحزب يرى أن الاقتصاد السليم لا يقوم على دعم الأرباح الخاصة بأموال عمومية، وإنما على توزيع منصف للأعباء، وعلى إخضاع جميع الفاعلين للقواعد نفسها. كما أن حماية القدرة الشرائية لا يجب أن تتحول إلى مبرر لاستنزاف الميزانية العامة أو تقليص الموارد المخصصة للسياسات الاجتماعية.

ولعل ما يميز موقف حزب الاستقلال هو أنه يحاول الجمع بين بعدين غالبا ما يتم تقديمهما وكأنهما متناقضان: حماية المواطن من جهة، والحفاظ على التوازنات المالية للدولة من جهة أخرى. فالحزب يؤمن بأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط عبر تقديم الدعم، وإنما أيضا عبر محاربة الاحتكار، وتعزيز المنافسة، وربط الأرباح بمستويات معقولة تراعي المصلحة العامة.

إن النقاش حول المحروقات ليس مجرد خلاف تقني حول الأسعار، بل هو نقاش حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يريده المغاربة. هل نريد دولة تتحمل باستمرار كلفة اختلالات السوق؟ أم نريد سوقا أكثر شفافية وعدالة، يتحمل فيها كل طرف مسؤوليته كاملة؟

بالنسبة لحزب الاستقلال، الجواب واضح. فالمطلوب ليس إخفاء الكلفة الحقيقية أو ترحيلها إلى الميزانية العامة، بل معالجة أسبابها، وضمان ألا تتحول القدرة الشرائية للمواطن إلى رهينة للمضاربات أو الاحتكار أو الأرباح غير المبررة.

إنه موقف قد لا يكون الأسهل من الناحية السياسية، لكنه بالنسبة للحزب الأكثر انسجاما مع تاريخه الاجتماعي، ومع رؤيته التي تضع المواطن في قلب السياسات العمومية، وتعتبر أن المال العام أمانة يجب أن يوجه لخدمة التنمية والعدالة الاجتماعية، لا أن يتحول إلى وسيلة لتعويض اختلالات السوق أو تمويل الأرباح الخاصة.

وهكذا، فإن حزب الاستقلال، وهو يخوض هذا النقاش، لا يدافع فقط عن تصور اقتصادي معين، بل يدافع عن فكرة أوسع: أن حماية المواطن لا تعني دائما اختيار الحل الأسهل، بل اختيار الحل الأكثر عدلا واستدامة، حتى وإن كان أكثر صعوبة في الشرح والإقناع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.