أكادير في فاتح ماي: من منصة احتفال إلى ساحة محاكمة اجتماعية لسياسات الغلاء
متابعة: رضوان الصاوي
لم يكن عيد العمال 2026 في أكادير يوماً عادياً يُرفع فيه الشعار وتُردد فيه الأغاني النقابية كما جرت العادة، بل تحول إلى لحظة مكاشفة قاسية، خرجت فيها الشغيلة لتعلن بصوت مرتفع أن صبرها بلغ حدوده، وأن زمن التجميل الخطابي قد انتهى
منذ الساعات الأولى لصباح فاتح ماي، بدت ملامح التوتر واضحة في شوارع المدينة. مسيرات متفرقة، شعارات غاضبة، ووجوه لا تحمل أي أثر للاحتفال. لم يعد الأمر يتعلق بطقس سنوي لتجديد “الولاء النقابي”، بل بمشهد احتجاجي صريح يختزل حجم الاحتقان الاجتماعي الذي يتراكم بصمت منذ سنوات.
الشعارات التي صدحت بها الحناجر لم تترك مجالاً للتأويل: الغلاء، تدهور القدرة الشرائية، هشاشة التشغيل، وتآكل الطبقة الوسطى… كلها عناوين ثقيلة حضرت بقوة، لتؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل واقع يومي يعيشه المواطن في تفاصيل حياته البسيطة.
لكن ما كان أكثر إثارة للانتباه ليس فقط قوة الشعارات، بل أيضاً برودة الحضور. فالمشاركة التي بدت محتشمة مقارنة بمحطات سابقة، تكشف وجهاً آخر للأزمة: أزمة ثقة داخل البيت النقابي نفسه. جزء من الشغيلة لم يعد مقتنعاً بجدوى التظاهر الموسمي، ولا بقدرة القيادات على تحويل الغضب إلى مكاسب ملموسة. إنها فجوة تتسع بصمت، لكنها تهدد بإفراغ الشارع من ديناميته مستقبلاً.
في المقابل، بدا الخطاب النقابي هذا العام أكثر حدة، أقرب إلى بيان اتهام مفتوح ضد السياسات العمومية، التي تُتهم بالعجز عن حماية القدرة الشرائية وضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية. ومع ذلك، يظل السؤال معلقاً: هل يكفي رفع سقف الخطاب لتعويض ضعف التعبئة؟ أم أن النقابات نفسها مطالبة بإعادة بناء مشروعها قبل مطالبة الدولة بتغيير سياساتها ؟
ما جرى في أكادير ليس استثناءً، بل مرآة لواقع وطني متوتر. ففاتح ماي 2026 أكد أن الاحتقان لم يعد قابلاً للاحتواء بالشعارات، وأن الشارع، حتى وهو متردد، لا يزال قادراً على إرسال رسائل قوية. رسائل مفادها أن الصمت لم يعد خياراً، وأن مرحلة جديدة من العلاقة بين الشغيلة والفاعلين السياسيين تلوح في الأفق.
الخلاصة التي لا يمكن القفز عليها: أكادير في فاتح ماي لم تحتفل… بل احتجت، وبلغة واضحة قالت إن “العيش الكريم” لم يعد مطلباً مؤجلاً، بل ضرورة ملحة لا تحتمل المزيد من التسويف.