حين يتصدر الشباب والمرأة النقاش السياسي بإنزكان… حزب الاستقلال يبعث رسائل قوية في ظرفية دقيقة
متابعة: رضوان الصاوي
في لحظة سياسية لا تخلو من الرسائل والدلالات، اختارت مفتشية حزب الاستقلال بعمالة إنزكان أيت ملول أن تفتح نقاشاً صريحاً حول أحد أكثر الملفات حساسية في تدبير الشأن العام المحلي: موقع المرأة والشباب داخل دوائر القرار. لقاء تواصلي جماهيري لم يكن مجرد نشاط تنظيمي عابر، بل محطة سياسية حملت في طياتها إشارات واضحة حول طبيعة المرحلة والرهانات المطروحة داخل الحقل السياسي المحلي.
اللقاء الذي احتضنت أشغاله قاعة العربي بوعدي بحديقة الأمل بإنزكان مساء الجمعة 16 رمضان الموافق لـ6 مارس، جاء بحضور قيادات وازنة داخل الحزب يتقدمهم عضوا اللجنة التنفيذية زينب قيوح وخالد الكلوش، إلى جانب المفتش الإقليمي للحزب ميلود باصور، والنائب البرلماني خالد الشناق، وكاتب فرع الحزب بإنزكان الحسين بادو، فضلاً عن حضور لافت لمنتخبي الحزب وأعضاء تنظيماته الموازية وحشد كبير من المناضلات والمناضلين الاستقلاليين الذين ملؤوا القاعة في مشهد يعكس دينامية تنظيمية لا تخطئها العين.
اختيار موضوع اللقاء لم يكن صدفة، بل جاء في سياق سياسي واجتماعي يعرف تحولات عميقة، حيث بات واضحاً أن الحديث عن التنمية المحلية لم يعد ممكناً دون طرح السؤال الحارق: أين موقع الشباب والمرأة من دوائر القرار؟ فالأرقام الصادمة تكشف أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة يشكلون ما يفوق 43 في المائة من المجتمع المغربي، بينما تمثل المرأة أكثر من نصفه، ومع ذلك ما تزال تمثيليتهما داخل المؤسسات المنتخبة دون المستوى المطلوب بكثير.
في هذا السياق، لم يتردد النائب البرلماني خالد الشناق في وضع الإصبع على الجرح، حين أكد بصراحة أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون قوية دون حضور فعلي للشباب والنساء داخل مواقع القرار، مذكراً بأن نسبة تمثيلية النساء داخل البرلمان المغربي لا تتجاوز 24 في المائة، وهو رقم يكشف بوضوح أن الطريق ما يزال طويلاً أمام تحقيق تمثيلية حقيقية تعكس البنية الديموغرافية للمجتمع المغربي. الشناق لم يخف أسفه لهذا الاختلال، متسائلاً بجرأة إن كان من الممكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل إقصاء غير مباشر لفئتين تشكلان عماد المجتمع، مؤكداً أن التجارب الدولية أثبتت أن الجماعات الترابية التي يشارك في تدبيرها الشباب والنساء تحقق نتائج أفضل ومردودية أكبر في السياسات المحلية.
أما زينب قيوح، عضو اللجنة التنفيذية للحزب وعضو مجلس الجهة، فقد حرصت على توجيه رسائل سياسية وتنظيمية واضحة، مؤكدة أن حزب الاستقلال يظل من بين الأحزاب القليلة التي تحافظ على تقليد التواصل المباشر بين القيادة والقواعد، وهي مقاربة يحرص عليها الأمين العام للحزب نزار بركة بشكل مستمر. وأوضحت أن منتخبي الحزب على مستوى الجهة يعملون على تكريس هذا التواصل عبر لقاءات ميدانية متواصلة مع المواطنين عبر مختلف الأقاليم، معتبرة أن النقاش حول المرأة والشباب ليس مجرد شعار ظرفي بل استحقاق دستوري وضرورة مجتمعية فرضتها التحولات التي يعرفها المغرب.
وفي حديثها عن حضور المرأة داخل المشهد السياسي، استحضرت قيوح المسار النضالي الطويل للمرأة الاستقلالية، مشيرة إلى أن المغرب عرف مراحل كان فيها الحضور النسائي داخل البرلمان يكاد يكون رمزياً، قبل أن تتطور الأمور تدريجياً بفضل نضالات طويلة خاضتها المرأة المغربية داخل مختلف التنظيمات السياسية والنقابية، لتصبح اليوم فاعلاً أساسياً في المؤسسات المنتخبة والحياة العامة.
من جانبه، اعتبر خالد الكلوش، عضو اللجنة التنفيذية، أن الحديث عن دور الشباب والمرأة في تدبير الشأن العام المحلي أكبر من أن يُختزل في لقاء واحد، مقترحاً تنظيم يوم دراسي كامل لمناقشة مختلف أبعاد هذا الملف الذي وصفه بالمحوري داخل مستقبل العمل السياسي بالمغرب. الكلوش دعا منظمة المرأة الاستقلالية والشبيبة الاستقلالية إلى تبني هذه المبادرة من أجل تعميق النقاش والخروج بتوصيات عملية قادرة على تعزيز حضور الشباب والنساء داخل الجماعات الترابية ومختلف مؤسسات القرار.
غير أن ما رافق هذا اللقاء من دينامية سياسية وتنظيمية لم يخلُ من محاولات التشويش المعتادة التي أصبحت سمة مألوفة في المشهد السياسي المحلي، بعدما سارعت بعض التدوينات الفيسبوكية إلى ترويج مزاعم واهية تدعي أن الحزب لجأ إلى ما وصفته بـ”الطنبولا” لاستقطاب المواطنين إلى اللقاء. ادعاءات سرعان ما تبخرت أمام الحقيقة التي يعرفها كل من حضر وتابع أطوار اللقاء عن قرب، حيث يتعلق الأمر بفقرة ثقافية دأب الحزب على تنظيمها كل شهر رمضان تحت مسمى “قرعة الإبداع الثقافي”، وهي مبادرة تهدف إلى تشجيع القراءة والإبداع الثقافي لدى الشباب والمناضلين، وتقتصر جوائزها على كتب ولوحات فنية وإصدارات ثقافية.
لكن يبدو أن البعض لم يعد يجد ما يهاجم به العمل السياسي الجاد سوى اختلاق قصص من نسج الخيال، في محاولة بائسة لتشويه مبادرات لا تتجاوز في جوهرها تشجيع الثقافة والمعرفة داخل الفضاء الحزبي. وهي محاولات تعكس، في العمق، أزمة خطاب لدى بعض الأصوات التي اعتادت ممارسة السياسة من خلف شاشات الهواتف بدل الانخراط في النقاش العمومي الجاد.
في المقابل، خرج اللقاء برسالة واضحة مفادها أن حزب الاستقلال بإنزكان أيت ملول يسعى إلى ترسيخ تقليد سياسي قائم على التواصل المباشر مع المواطنين والانفتاح على قضايا المجتمع الحقيقية، وفي مقدمتها تمكين الشباب والمرأة من لعب أدوار أكبر في تدبير الشأن العام المحلي. رسالة بدت واضحة من خلال الحضور المكثف للمناضلين والانضباط التنظيمي الذي طبع اللقاء، في مشهد يؤكد أن العمل السياسي الجاد لا تصنعه الإشاعات ولا التدوينات العابرة، بل تصنعه الممارسة الميدانية والاستمرارية في التواصل مع المواطنين.