بين شد الحبل والحوار المؤجل مشروع قانون المحاماة يعود الى مربع التوافق

متابعة: رضوان الصاوي

في خطوة تحمل أكثر من قراءة سياسية ومؤسساتية، قرر رئيس الحكومة عزيز أخنوش تأجيل إحالة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة على البرلمان، في انتظار بلوغ توافق مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وذلك عقب اجتماع مطوّل جمعه، يوم الأربعاء 11 فبراير 2026، برئيس الجمعية النقيب الحسين الزياني.

القرار، وفق معطيات متطابقة، لم يكن إجراءً تقنياً بقدر ما جاء استجابةً لحالة احتقان غير مسبوقة داخل الجسم المهني، بعدما أثار المشروع جدلاً واسعاً بشأن عدد من مواده التي اعتبرتها الجمعية مخالِفة للمعايير الدستورية والدولية، ومهدِّدة لاستقلالية الدفاع وضماناته. وقد تم خلال اللقاء التطرق إلى النقاط الخلافية الجوهرية، خصوصاً تلك المرتبطة بحصانة المحامي، وعلاقته بمؤسسات العدالة، وحدود الرقابة والتأديب.

التحفظات التي عبّرت عنها جمعية هيئات المحامين لم تقتصر على تفاصيل تقنية، بل مست جوهر الفلسفة المؤطرة للمشروع. فالمحامون يرون أن بعض المقتضيات قد تعيد صياغة العلاقة بين الدفاع والسلطة التنفيذية بشكل يخلّ بمبدأ الاستقلالية، فيما تؤكد الحكومة أن الهدف من الإصلاح هو تحديث الإطار القانوني للمهنة وتعزيز حماية حقوق المتقاضين.

هذا التباين في المقاربات سرعان ما انعكس على الممارسة اليومية داخل المحاكم، حيث شهدت مختلف الدوائر القضائية شللاً شبه تام نتيجة مقاطعة شاملة لخدمات الدفاع، في سابقة أبرزت حجم التوتر القائم وعمق الهوة بين الوزارة الوصية والهيئة المهنية.

مصادر مطلعة أفادت بأن تأجيل الإحالة يفتح الباب أمام استئناف الحوار المؤسساتي بين وزارة العدل والجمعية، بعد فترة من الجمود. ويُنتظر أن تنكب الأطراف المعنية على إعادة صياغة المواد المثيرة للجدل، في أفق بلورة نص يحظى بحد أدنى من الإجماع المهني والسياسي قبل عرضه على المؤسسة التشريعية.

ويرى متابعون أن الحكومة فضّلت تجنّب سيناريو مواجهة مفتوحة داخل البرلمان وخارجه، بما قد يفاقم الأزمة ويؤثر على صورة الإصلاحات القانونية الكبرى، خاصة وأن مهنة المحاماة تُعدّ أحد أعمدة منظومة العدالة، وأي تعديل يمسّ تنظيمها ينعكس مباشرة على التوازن العام داخل الحقل القضائي.

في سياق متصل، يرتقب أن يعقد مكتب جمعية هيئات المحامين اجتماعاً طارئاً مساء اليوم ذاته لتدارس مستجدات القرار الحكومي، وحسم الموقف من استمرار التوقف الشامل عن العمل أو تعليقه مؤقتاً، في ضوء ما وُصف بكونه “خطوة إيجابية أولى” نحو انفراج محتمل.

وبين من يعتبر التأجيل انتصاراً مرحلياً للجسم المهني، ومن يراه مجرد هدنة سياسية لتبريد الأجواء، يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على قدرة الأطراف على تحويل لحظة التوتر إلى فرصة لإنتاج نص توافقي يوازن بين تحديث المهنة وصون استقلاليتها، بعيداً عن منطق الغلبة أو الإملاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.