شريط الأخبار

حالة العود تمنع الاصلاح : ازمة العقوبات البديلة في القانون الجنائي المغربي

متابعة: رضوان الصاوي

شهد القانون الجنائي المغربي في السنوات الأخيرة تطويرات هامة، كان من أبرزها إدراج نظام العقوبات البديلة، بهدف تحقيق توازن بين الردع، إعادة الإدماج الاجتماعي، وتخفيف العبء على المؤسسات العقابية.

ويهدف هذا النظام إلى معالجة مشكلة الاكتظاظ داخل السجون المغربية، وتقليل التكاليف المالية المرتبطة بالحجز، وتوفير فرصة للمتهمين لتصحيح سلوكهم دون اللجوء إلى السجن مباشرة.

غير أن التطبيق العملي للمشروع الحالي يطرح إشكالات جدية، وأهمها حرمان المجرمين من الاستفادة من العقوبات البديلة في حالة العود ، هذا القرار، الذي يبدو صارمًا وغير مرن، يحرم المحكوم عليهم من فرصة الإصلاح، ويقلل من فعالية القانون في تحقيق أهدافه الإصلاحية والاجتماعية ،حيث كان من الأجدر بالمشرع أن يعتمد آلية متدرجة، تسمح للمتهم بالاستفادة من العقوبات البديلة عدة مرات قبل الحرمان النهائي، مثل تحديد ثلاث مرات كحد أدنى، كما ينبغي إبقاء القرار النهائي في يد القاضي، الذي يمتلك السلطة التقديرية لتقرير ما إذا كان الحكم بالعقوبات البديلة أو بالعقوبات السالبة للحرية، وفق خطورة الجريمة وظروف المحكوم عليه، بما يتماشى مع روح العدالة والإصلاح وروح السياسة الجنائية المغربية.

أهمية السلطة التقديرية للقاضي

تجدر الإشارة إلى أن السلطة التقديرية للقاضي عنصر أساسي في تحقيق العدالة الجنائية. فحتى في حالات العود، يجب أن تظل هذه السلطة حاضرة، دون أن تتحول حالة العود إلى قاعدة تمنع الاستفادة من العقوبات البديلة بشكل تلقائي. تدعم ذلك تعليمات النيابة العامة التي توصي ضباط الشرطة القضائية بإنجاز بحث اجتماعي شامل حول المتهم قبل عرضه على القضاء، مصحوبًا ببطاقة معلومات تتضمن هويته، حالته الجنائية، سجله العدلي، وسوابقه القضائية. هذه المعطيات تجعل مسألة العود مسألة نسبية، تُؤخذ بعين الاعتبار ضمن عناصر الحكم، ولا يجب أن تحد من تقدير القاضي.

مزايا تطبيق العقوبات البديلة بشكل مرن:

تطبيق العقوبات البديلة بشكل متدرج ومرن له فوائد عدة نذكر منها على سبيل المثال :

تقليص الاكتظاظ في السجون : بما يسهم في تحسين ظروف الاحتجاز وتقليل التوتر داخل المؤسسات العقابية.
إعادة إدماج المحكوم عليهم : من خلال برامج إعادة التأهيل المهني والاجتماعي، بدل الاقتصار على العقوبة العقابية البحتة.
تخفيض التكاليف المالية : تقليل نفقات المندوبية العامة لإدارة السجون المرتبطة بالحجز والرعاية.
تعزيز العدالة الإصلاحية : منح المحكوم عليه فرصة لتعديل سلوكه قبل اللجوء إلى السجن، ما يعكس روح القانون ويحقق أهدافه الإصلاحية.

ان نجاح نظام العقوبات البديلة يتطلب توازنًا دقيقًا بين السلطة التقديرية للقاضي، ومبدأ الردع، وأهداف إعادة الإدماج الاجتماعي ،حيث ان حرمان المتهمين من هذه العقوبات في حالة العود يُضعف فعالية القانون ، ويقلل من روح الإصلاح التي قام عليها، حيث ستصبح المراجعة الشاملة للمشروع في المستقبل القريب ضرورة ملحة من أجل منح القاضي سلطة تقديرية كاملة في الحكم بالعقوبات البديلة او السالبة للحرية، مع مراعاة الظروف الشخصية لكل متهم وحالة الجريمة، لضمان تحقيق العدالة وإعادة الإدماج وتقليل الاكتظاظ وتكاليف السجون.

لماذا نصر على منح القاضي في حالة العود السلطة التقديرية في الحكم بالعقوبات البديلة؟

نصر على أن يكون الحكم بالعقوبات البديلة بيد القاضي الذي يمتلك السلطة التقديرية، لأن ذلك يضمن مرونة القانون في التطبيق، وفاعليته في معالجة مشكلات العدالة الجنائية. فمثلاً، إذا تبين للقاضي أن السجون مكتظة بالآلاف من المعتقلين، كما كان الحال قبل صدور قانون العقوبات البديلة، فإنه يحق له الحكم بالعقوبات البديلة دون الالتفات الصارم لحالات العود التي تلغي تلقائيًا هذا الحكم. ذلك لأن السياسة الجنائية تقوم على أساس تحقيق التوازن بين الردع، وحماية المجتمع، وإعادة الإدماج، والتخفيف من الاكتظاظ داخل السجون، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال منح القاضي سلطة تقديرية حقيقية تتيح له اتخاذ القرار الأنسب لكل حالة وفق ظروفها الخاصة.

تعزيز استقلالية القاضي في إصدار الأحكام.

في هذه الحالة، ستكون استقلالية القاضي مهددة بعد امتلاء السجون، حيث قد تضطر رئاسة النيابة العامة إلى مراسلة المحاكم لتجاوز حالات العود والحكم بالعقوبات البديلة مؤقتًا، استنادًا إلى المعايير والشروط التي تحددها الإدارة. لذا، من الأجدر أن تُمنح السلطة التقديرية للقاضي بصفة قانونية مباشرة، دون الحاجة إلى انتظار تعليمات أو تدخلات مؤقتة، ليتمكن من إصدار أحكام بالعقوبات البديلة بدل العقوبات السالبة للحرية وفق ما يراه مناسبًا لكل حالة.

إن إقرار هذا الحق بصفة قانونية سيجعل الأمر واضحًا وملزمًا، ويعزز استقلالية القاضي في ممارسة السلطة التقديرية، بما يتوافق مع قوانين المملكة والسياسة الجنائية للدولة المغربية، ويضمن تحقيق أهداف العدالة الإصلاحية وإعادة الإدماج وتقليل الاكتظاظ في السجون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.