شريط الأخبار

4"][/video]

إلى أين يسير الصراع في الصحراء؟

بقلم: علي أنوزلا*

دخلت قضية الصحراء منعطفاً جديداً قد يكون الأكثر تعقيداً في تاريخها منذ نصف قرن؛ فبعدما ظلت، عقوداً، نزاعاً إقليمياً تديره الأمم المتحدة، تحولت الأسبوع الماضي إلى ساحة مواجهة دبلوماسية مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا، عندما استخدمت موسكو حقّ النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار أمريكي يسعى إلى تكريس مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للتفاوض، قبل أن ترد واشنطن بإسقاط مشروع قرار روسي. وجاءت هذه المواجهة في وقت كانت فيه المفاوضات التي احتضنتها مدريد وواشنطن، بمشاركة المغرب و”بوليساريو” والجزائر وموريتانيا، قد أعادت بعض الأمل في إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية. لكن ما حدث في مجلس الأمن غيّر المعادلة، خصوصاً بعدما رد المغرب على “الفيتو” الروسي بإعلان إنهاء وجود بعثة الأمم المتحدة في المناطق الخاضعة لسيطرته، والتلويح بإخراج الملف من دائرة المعالجة الأممية. وبذلك انتقل النزاع من البحث عن صيغة للتسوية إلى مرحلة جديدة يغلب عليها الغموض بشأن مستقبل الوساطة الدولية ومصير الترتيبات التي ظلت تضبط الصراع منذ وقف إطلاق النار سنة 1991.

غير أنّ تعثر المسار الأممي لا يعني، بالضرورة، سقوط فرص التسوية السياسية، كما أنّ إسقاط مشاريع القرارات لا يلغي الحاجة إلى التفاوض، فالنزاعات الطويلة لا تنتهي بمجرّد انتصار دبلوماسي عابر، ولا تُحسم بتغيير موازين التصويت داخل المؤسسات الدولية. وقد أثبتت تجربة نصف قرن أنّ استمرار النزاع لا يخدم بالضرورة مصالح أيٍّ من أطرافه، وأن إضعاف الوساطة الدولية، من دون توفير بديل مقبول، قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً. وفي غياب أفق سياسي واضح، تعود المخاوف من استئناف المواجهة العسكرية، خصوصاً أن وقف إطلاق النار فقد عملياً جزءاً من فاعليته منذ إعلان “بوليساريو” سنة 2020 تخليها عن الالتزام به، وما أعقب ذلك من عمليات عسكرية محدودة لم تتحوّل إلى حرب مفتوحة. ومع هذا، فإنّ احتمال اندلاع حرب شاملة يبدو مستبعداً، ليس فقط بسبب اختلال موازين القوة العسكرية، وإنما أيضاً بفعل القيود الجغرافية والسياسية التي تحكم تحركات الأطراف المعنية.

تعثر المسار الأممي لا يعني، بالضرورة، سقوط فرص التسوية السياسية، كما أنّ إسقاط مشاريع القرارات لا يلغي الحاجة إلى التفاوض،… مفتاح الحلّ لا يوجد في واشنطن أو موسكو أو نيويورك بقدر ما يوجد في الرباط والجزائر

فالمجال الرئيسي المتاح لتحركات البوليساريو يقع شرق الجدار الأمني المغربي، في منطقة صحراوية مكشوفة تجعل فيها وسائل المراقبة والاستطلاع الحديثة أي تحرّك عسكري واسع عرضة للرصد والاستهداف. أما انطلاق عمليات عسكرية من الأراضي الجزائرية، فقد يحمل مخاطر تحويل النزاع إلى مواجهة مباشرة بين المغرب والجزائر، وهو احتمالٌ لا يبدو أنّ أياً من البلدَين يسعى إليه؛ فكلاهما يدرك أن حرباً بينهما ستكون مدمّرة، وأن كلفتها البشرية والاقتصادية والسياسية ستتجاوز أي مكاسب محتملة. وقد أظهرت العقود الماضية أن الرباط والجزائر، رغم حدّة التوتر بينهما، حرصتا على إبقاء المواجهة ضمن حدود الصراع الدبلوماسي والسياسي والإعلامي وسباق التسلح، من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة. لكن استبعاد الحرب لا يعني استحالتها، لأنّ استمرار القطيعة وغياب قنوات الحوار وتراكم التوترات قد يحول حادثاً محدوداً إلى مواجهة تتجاوز إرادة الطرفين. ولذلك ليس الخطر الحقيقي في قرار الحرب فحسب، وإنما في استمرار وضع تتراجع فيه فرص التسوية وتتزايد معه احتمالات سوء التقدير.

والواقع أن مفتاح الحلّ لا يوجد في واشنطن أو موسكو أو نيويورك بقدر ما يوجد في الرباط والجزائر، فالمغرب يعتبر الصحراء قضية سيادة ووحدة ترابية، بينما تقدّم الجزائر دعمها “بوليساريو” باعتباره التزاماً بمبدإ تقرير المصير. وبين الموقفين تراكم نصف قرن من الخلافات والحساسيات والحسابات الاستراتيجية، حتى أصبح النزاع أحد أبرز أسباب القطيعة بين أكبر قوتَين إقليميتَين في المغرب العربي. ولا يمكن تصور تسوية مستقرّة من دون تفاهم بين البلدين، مع ضمان مشاركة الصحراويين واحترام حقوقهم وتطلعاتهم في أي اتفاق، فالحل السياسي لا يقوم على إلغاء أحد الأطراف أو تجاهل مصالحه، وإنما على صيغة تضمن الأمن والاستقرار وتفتح المجال أمام تسوية الخلافات بالوسائل السلمية. ومن هذا المنطلق، يظل مقترح الحكم الذاتي المغربي أرضية قابلة للتفاوض بشأن الصلاحيات والضمانات، مثلما ينبغي أن يجد مبدأ تقرير المصير ترجمته في حقوق السكان وحرّياتهم ومشاركتهم الفعلية في تحديد مستقبلهم.

المغرب والجزائر سيظلان جارَين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة؛ ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في انتصار طرف على آخر، وإنما في الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق تسويته، عبر تفاهمات وتنازلات متبادلة تحفظ المصالح الأساسية وتضمن حقوق السكان

والمفارقة أن المغرب والجزائر سبق أن التقيا، إلى جانب تونس وليبيا وموريتانيا، حول مشروع وحدوي تُوّج بتأسيس اتحاد المغرب العربي في مراكش سنة 1989. وكان تعبيراً عن إدراك مشترك بأن مستقبل المنطقة لا يمكن بناؤه على الخصومة الدائمة، وأن المصالح التي تجمع شعوبها أوسع من الخلافات التي تفرّق حكوماتها. لكن النزاع حول الصحراء ساهم في تعطيل هذا المشروع، حتى تحول الاتحاد إلى مؤسّسة شبه مجمّدة، بينما استمرت الحدود مغلقة وتراكمت الفرص الاقتصادية الضائعة. وفي المقابل، استطاعت أوربا، التي شهدت أكثر الحروب دموية في التاريخ الحديث، أن تتجاوز جانباً كبيراً من خلافاتها الحدودية والقومية، وأن تبني فضاءً مشتركاً يضم اليوم 27 دولة. ولم يتحقق هذا لأنّ الأوربيين تخلصوا من خلافاتهم التاريخية، وإنما لأنهم أدركوا أن التعاون أكثر جدوى من المواجهة، وأن المصالح المشتركة يمكن أن تشكل أساساً لتجاوز الخصومات القديمة.

لقد دفع المغرب العربي ثمناً باهظاً لاستمرار هذا النزاع، ليس من خلال الموارد التي استنزفها التوتر وسباق التسلح فحسب، وإنما أيضاً من خلال ما ضاع على شعوبه من فرص التنمية والتكامل الاقتصادي وحرّية التنقل والاستقرار. وكان الصحراويون، خصوصاً اللاجئين في مخيّمات تندوف، من أكثر المتأثرين باستمرار وضع سياسي لم تجد له الأطراف المعنية حلاً نصفَ قرن. واليوم، بعدما دخل النزاع منعطفاً جديداً، تبدو الحاجة إلى إرادة سياسية مغربية جزائرية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى؛ فالقوى الكبرى تستطيع التأثير في مسار القضية، لكنها لا تستطيع أن تصنع سلاماً دائماً نيابة عن الأطراف المعنية. كما أن استمرار الصراع لن يغير حقيقة أن المغرب والجزائر سيظلان جارَين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة؛ ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في انتصار طرف على آخر، وإنما في الانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق تسويته، عبر تفاهمات وتنازلات متبادلة تحفظ المصالح الأساسية وتضمن حقوق السكان، فبعد نصف قرن من الجمود، لم تعد المنطقة تحتاج جولة جديدة من تسجيل النقاط الدبلوماسية، بل شجاعة سياسية تدرك أنّ السلام لا يصنعه المنتصرون وحدهم، بل تصنعه إرادة التفاهم. وما يمكن أن يربحه المغرب والجزائر، ومعهما المنطقة المغاربية برمتها، من سلام دائم وتعاون حقيقي، أكبر بكثير مما يمكن أن يربحه أي طرفٍ من استمرار نزاع أثبت الزمن أنّ أحداً لا يستطيع حسمه وحده.

*صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع “لكم. كوم”

عن “العربي الجديد”

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.