احتجاجات الغلاء تهز أوروبا وتصاعد المخاوف من استغلال الاضطرابات لتغذية خطاب اليمين المتطرف
معكم 24/ تحليل
تعيش عدة دول أوروبية على وقع موجة من الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية، في تحركات شهدتها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، فيما تحولت بعض المظاهرات الفرنسية إلى مواجهات مع الشرطة وعمليات نهب وإحراق طالت متاجر ومباني عامة.
وشهدت فرنسا، السبت 17 أكتوبر الجاري، احتجاجات واسعة شارك فيها أكثر من 550 ألف شخص، وفق الأرقام التي نقلتها قناة الجزيرة عن وزارة الداخلية الفرنسية. واندلعت أعمال عنف على هامش المظاهرات، شملت تخريب محلات تجارية والاعتداء على عناصر الشرطة وإضرام النار في مبانٍ عامة، بينما أعلنت السلطات توقيف أشخاص على خلفية الأحداث.
ومن أبرز الأحداث التي أثارت صدمة واسعة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج التاريخي، الذي يعود إلى سنة 1883، بعدما اقتحم ملثمون المبنى وأضرموا النار فيه، ما أدى إلى انهيار أجزاء من السقف وبرج الجرس. وفتحت السلطات تحقيقاً في الحادث، فيما أُعلن عن توقيف مشتبه فيه على صلة بالقضية.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها فرنسا، حيث تتزامن الاحتجاجات مع أزمة مالية وسياسية، وصعوبات في تمرير الميزانية، ومخاوف من استمرار ارتفاع الدين العام والعجز. وتشمل مطالب المحتجين قضايا غلاء المعيشة وظروف التعليم والخدمات العامة، إلى جانب صعوبة الحصول على السكن وارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي خضم هذه الأوضاع، برزت مخاوف من توظيف الاضطرابات اجتماعياً وسياسياً لتوسيع خطاب اليمين المتطرف، الذي يربط بعض مظاهر الفوضى بقضايا الهجرة والأمن والهوية الوطنية. وقد استغلت شخصيات يمينية الأحداث للمطالبة بتشديد السياسات الأمنية والهجرة، رغم أن دوافع الاحتجاجات المعلنة تتصل أساساً بالأوضاع المعيشية والخدمات العامة.
وفي المقابل، يجري تداول تفسيرات تربط الاحتجاجات بمؤامرات تقف وراءها مؤسسات وشخصيات دولية، من بينها الملياردير جورج سوروس ومؤسسة المجتمع المفتوح. غير أن هذه الادعاءات لا تثبتها المعطيات المتاحة بشأن المظاهرات، ولا توجد أدلة موثوقة كافية تسمح باعتبارها تفسيراً لأسباب الاضطرابات أو الجهات التي تقف وراءها.
وتكشف الاحتجاجات، في المحصلة، عن تداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع الاستقطاب السياسي في أوروبا، حيث تطرح مطالب العدالة الاجتماعية وتحسين الخدمات العامة تحديات أمام الحكومات، بينما تتيح مشاهد العنف والتخريب للأطراف السياسية المتنافسة تقديم قراءات متباينة للأزمة، قد تنعكس على النقاش بشأن الهجرة والأمن ومستقبل السياسات الأوروبية.