هل أصبح تدهور الصحة العمومية أحد دوافع الهجرة؟ عندما يتحول الحق في العلاج إلى أزمة ثقة
معكم 24/ تحليل
في خضم النقاش الوطني المتصاعد حول موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها مناطق الشمال، برز قطاع الصحة العمومية باعتباره واحداً من الملفات التي تستحق التوقف عندها، ليس باعتباره السبب الوحيد وراء الهجرة، وإنما باعتباره مؤشراً على علاقة المواطن بالدولة وعلى مدى شعوره بوجود خدمات عمومية قادرة على ضمان الحد الأدنى من الكرامة والأمان الاجتماعي.
فالهجرة لا تُختزل دائماً في البحث عن وظيفة أو دخل أفضل. أحياناً تكون نتيجة تراكم طويل من الإحساس بانسداد الأفق، حين يجد المواطن نفسه أمام صعوبات في التعليم والتشغيل والسكن والصحة، فيبدأ في مقارنة ما يعيشه داخل بلده بما يتصوره عن الحياة خارجه.
المستشفى العمومي في قلب الأزمة
تطرح المعطيات المتداولة حول الوضع الصحي سؤالاً أساسياً: هل استطاع إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية أن يواكب، بالقدر نفسه، إصلاح المستشفى العمومي؟
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن سجل، في تقييمه المرحلي لتعميم التأمين الصحي، أن حوالي 90 في المائة من المؤمنين يتوجهون إلى القطاع الخاص لتلقي العلاج. كما أظهرت معطيات متداولة استناداً إلى أعمال المجلس أن نحو 95 في المائة من نفقات التأمين الصحي لفائدة منخرطي CNSS وقرابة 80 في المائة بالنسبة إلى CNOPS تتجه إلى مؤسسات القطاع الخاص.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة أكبر عندما تقترن بمعطى آخر ورد في النقاش العمومي حول إصلاح التغطية الصحية، مفاده أن متوسط تكلفة الملف الصحي في القطاع الخاص يفوق نظيره في القطاع العمومي بنحو 5.6 مرات. وقد استُعمل هذا المعطى في نقاشات سياسية وبرلمانية باعتباره مؤشراً على اختلال محتمل في توجيه الإنفاق الصحي.
المشكلة هنا ليست في وجود قطاع صحي خاص قوي؛ فهذا القطاع يمكن أن يكون شريكاً مهماً في المنظومة الصحية. الإشكال الحقيقي هو: هل يتم بناء قطاع عمومي قوي قادر على القيام بدوره، أم أن توسع التغطية الصحية يؤدي عملياً إلى تحويل جزء كبير من الموارد نحو القطاع الخاص؟
التغطية الصحية لا تعني بالضرورة الولوج الفعلي إلى العلاج.
قد يحمل المواطن بطاقة تأمين، لكنه عندما يحتاج إلى طبيب اختصاصي يجد نفسه أمام موعد بعد أسابيع أو أشهر، أو أمام فحوصات متخصصة محدودة، أو مضطراً إلى البحث عن مصحة خاصة وتحمل مصاريف إضافية.
وهنا تظهر المفارقة: الدولة توسع دائرة الأشخاص المشمولين بالتأمين، لكن المواطن قد لا يشعر بالتحسن نفسه إذا ظلت القدرة الاستيعابية للمستشفى العمومي محدودة.
والأكثر إثارة للانتباه أن حتى القطاع الخاص نفسه لا يبدو بمنأى عن أزمة الثقة. فقد خلصت دراسة حديثة لـ«Affinytix» إلى أن 68 في المائة من آراء المرضى التي شملتها الدراسة حول المصحات كانت سلبية، مع اختلاف النتائج بين المدن.
وهذا يعني أن الأزمة أعمق من مجرد مقارنة بين العام والخاص؛ إنها أزمة في جودة تجربة المريض، والانتظار، والتواصل، والتكلفة، والثقة.
الموارد البشرية… الحلقة الأكثر هشاشة
لا يمكن إصلاح المستشفى من دون أطباء وممرضين وتقنيين وإداريين.
والنقاش النقابي الأخير حول الخصاص في الأطر الصحية، ولا سيما في تخصصات التخدير والإنعاش والجراحة والأشعة، يعيد إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: هل تتوفر المؤسسات العمومية على الموارد البشرية الكافية لتشغيل بنياتها وتجهيزاتها؟
وقد أعلنت وزارة الصحة خلال 2025 عن تعيين 1200 طبيب مختص في القطاع العمومي، في محاولة لمعالجة الخصاص وتأخر التعيينات، وهو ما يدل من جهة على وجود مجهود في هذا المجال، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الحاجة إلى موارد بشرية متخصصة.
وفي المقابل، فإن الوقائع النقابية التي تخرج من مستشفيات مختلفة، من بينها شكاوى مرتبطة بغياب أطباء التخدير والإنعاش أو اضطرار بعض المؤسسات إلى نقل المرضى إلى مستشفيات أخرى، تكشف أن مشكلة الموارد البشرية لا يمكن حلها فقط بإحداث المناصب، بل تحتاج إلى توزيع عادل للأطر، وتحفيز للعمل في المناطق التي تعرف خصاصاً، واستقرار مهني، وتخطيط استباقي للتقاعد والحركة والانتقالات.
هل الصحة سبب مباشر للهجرة؟
القول إن قطاع الصحة هو «أحد الأسباب الأولى» للهجرة الجماعية يحتاج إلى دراسة ميدانية دقيقة، ولا ينبغي تقديمه كحقيقة مثبتة من دون بيانات تقيس العلاقة بين جودة الخدمات الصحية وقرارات الهجرة.
لكن من الصعب أيضاً تجاهل البعد الاجتماعي للصحة.
فالشاب الذي يرى أسرته عاجزة عن الحصول على علاج متخصص، أو يشاهد أحد أقاربه ينتظر شهوراً للحصول على موعد، أو يضطر إلى بيع جزء من ممتلكاته لتغطية تكاليف العلاج، قد تتشكل لديه صورة سلبية عن قدرته على بناء مستقبل مستقر داخل بلده.
ومن هنا تصبح الصحة جزءاً من منظومة الثقة في الدولة.
فالمواطن لا يقيس الدولة فقط بعدد المشاريع والمنشآت، بل يقيسها أيضاً بما يحدث عندما يمرض، عندما يفقد عمله، عندما يحتاج إلى مدرسة جيدة لأبنائه، أو عندما يبحث عن فرصة تمنحه الاستقلال والكرامة.
القطاع الخاص شريك أساسي في أي منظومة صحية حديثة، ويمكنه أن يساهم في تخفيف الضغط عن المستشفيات العمومية وتوفير استثمارات وتجهيزات وخدمات متخصصة.
لكن الشراكة لا تعني أن يصبح القطاع العمومي الحلقة الأضعف.
فالمستشفى العمومي له وظيفة تتجاوز منطق الربح: استقبال الحالات الاستعجالية، علاج الفئات الهشة، التكوين الطبي والتمريضي، ضمان الاستمرارية، والتدخل في المناطق التي قد لا تكون جذابة للاستثمار الخاص.
ولهذا فإن أي إصلاح للحماية الاجتماعية يحتاج بالضرورة إلى مستشفى عمومي قوي، وإلا تحولت التغطية الصحية إلى مجرد قدرة على تمويل العلاج، بدل أن تكون ضماناً فعلياً للحق في العلاج.
ما يحدث في الشمال لا يمكن تفسيره بعامل واحد.
هناك التشغيل، والتعليم، والفوارق المجالية، وضعف الثقة، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وصورة أوروبا في المخيال الجماعي، إلى جانب عوامل أمنية وسياسية واقتصادية أخرى.
لكن قطاع الصحة يبقى واحداً من أكثر المجالات التي تختبر علاقة المواطن بالدولة.
حين يجد المواطن مستشفى مجهزاً، وطبيباً متاحاً، وممرضاً كافياً، ودواءً متوفراً، وموعداً معقولاً، ومعاملة تحفظ كرامته، فإنه لا يحصل على علاج فقط؛ بل يحصل على رسالة مفادها أن الدولة موجودة إلى جانبه.
وحين يغيب ذلك، فإن المشكلة لا تتوقف عند أبواب المستشفى.
إنها تتحول تدريجياً إلى أزمة ثقة.
ولهذا فإن معالجة دوافع الهجرة لا ينبغي أن تقتصر على الحدود والمراقبة الأمنية. المطلوب هو إعادة بناء الداخل نفسه: مدرسة تمنح الأمل، ومستشفى يمنح الأمان، وسوق شغل يمنح الفرصة، وسياسات اجتماعية تمنح الكرامة.
فالشاب الذي يشعر أن مستقبله ممكن داخل وطنه، لن يحتاج إلى البحر كي يبحث عن حياة أفضل.
أما إذا بقيت الخدمات الأساسية عاجزة عن إقناعه بأن الدولة قادرة على حمايته وصون كرامته، فإن كل أزمة اجتماعية ستظل قابلة لأن تتحول إلى موجة جديدة من الاحتجاج أو الهجرة.