شريط الأخبار

بين الرواية الرسمية وغضب الشارع.. وفاة مريض بمستشفى ابن باجة بتازة تفتح أسئلة المسؤولية والمحاسبة

 

هيام بحراوي

 

لم ينه البلاغ التوضيحي الصادر عن مندوبية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بإقليم تازة الجدل المثار حول وفاة شخص كان يتلقى العلاج بالمركز الاستشفائي الإقليمي ابن باجة، بل فتح باباً جديداً للنقاش حول حدود المسؤولية الإدارية والطبية، ومدى قدرة المنظومة الصحية على ضمان الحق في العلاج والحفاظ على كرامة المرضى.

ففي الوقت الذي أكدت فيه المندوبية أن المعني بالأمر تم استقباله والتكفل به طبيا منذ وصوله إلى قسم المستعجلات، وأن الصورة المتداولة التُقطت داخل فضاء المستشفى وليس خارجه، معتبرة أن المريض كان يعاني اضطرابات نفسية وسلوكية وكان يغادر فضاء المراقبة بشكل متكرر، ترى فعاليات حقوقية ونقابية ومدنية أن البلاغ لم يبدد كل علامات الاستفهام المرتبطة بالحادثة.

أولى الملاحظات التي أثيرت عقب صدور البلاغ تمثلت في اعتبار عدد من المتابعين أن الوثيقة ركزت على شرح ظروف الواقعة وتبرير ملابساتها أكثر من تقديم إجابات دقيقة حول كيفية وصول شخص في وضع صحي ونفسي حرج إلى حالة أثارت كل هذا الجدل.

ويرى حقوقيون أن النقاش لم يعد يتعلق فقط بمكان التقاط الصورة أو بطبيعة الاضطرابات التي كان يعاني منها الضحية، بل بالسؤال الجوهري، هل كانت إجراءات المراقبة والتكفل كافية لمنع تدهور وضعه الصحي؟ وهل تم توفير كل الشروط اللازمة لحماية شخص وُصف رسمياً بأنه يعاني اضطرابات نفسية وسلوكية حادة؟

الحادثة جاءت في سياق حساس يتسم بتزايد شكاوى المواطنين من الخصاص المسجل في بعض التخصصات الطبية والتجهيزات الصحية بالإقليم، وهو ما جعل القضية تتحول بسرعة من واقعة فردية إلى نقاش أوسع حول واقع القطاع الصحي بتازة.

وتعتبر فعاليات حقوقية أن غضب الرأي العام لا يرتبط فقط بوفاة شخص واحد، بل بتراكم شعور لدى جزء من الساكنة بوجود اختلالات بنيوية داخل المنظومة الصحية المحلية، وهو ما يفسر الدعوات إلى الاحتجاج والمطالبة بفتح تحقيق شامل يتجاوز ملابسات الحادث إلى تقييم ظروف تقديم الخدمات الصحية بالإقليم.

في المقابل، يشير البلاغ الرسمي إلى أن النيابة العامة المختصة أمرت بفتح بحث قضائي وإجراء تشريح طبي لتحديد الأسباب الحقيقية للوفاة، وهي خطوة يعتبرها متابعون ضرورية لكشف الوقائع بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات المتبادلة.

ويبقى الرهان الأساسي اليوم، بحسب عدد من الفاعلين، هو أن يصل التحقيق إلى نتائج واضحة وشفافة تحدد المسؤوليات بدقة، سواء تعلق الأمر بأخطاء فردية أو اختلالات تنظيمية أو بغياب الإمكانيات اللازمة للتكفل بمثل هذه الحالات.

بعيدا عن الجدل الدائر بين الرواية الرسمية وانتقادات الهيئات الحقوقية، فإن القاسم المشترك بين مختلف المواقف هو الإقرار بأن الحق في العلاج والكرامة الإنسانية يجب أن يظل فوق كل اعتبار.

فإذا كانت التحقيقات ستحدد المسؤوليات القانونية، فإن الرسالة الأعمق التي خلفتها هذه الواقعة هي الحاجة إلى تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات الصحية، وتحسين ظروف الاستقبال والتكفل بالمرضى، خاصة الفئات الهشة والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية أو أوضاعاً اجتماعية صعبة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.