الإعلام العمومي بين الانفتاح المرحلي والتحول البنيوي: هل نحن أمام صحوة مهنية أم استجابة ظرفية؟
معكم 24
يشهد المتتبعون في الأسابيع الأخيرة تغيرًا لافتًا في نبرة الإعلام العمومي المغربي، الذي بدا أكثر انفتاحًا على صوت الشارع واحتجاجات الشباب، وأكثر جرأة في طرح الأسئلة على المسؤولين والوزراء بشكل غير مألوف في المشهد السمعي البصري الوطني.
غير أن هذا التحول، الذي تزامن مع موجة احتجاجات شبابية غير مسبوقة تُنسب إلى ما يُعرف بـ”جيل زِد”، يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل نحن أمام تحول حقيقي ومستدام في الخط التحريري للإعلام العمومي، أم أمام لحظة استثنائية فرضتها دينامية الشارع؟
لفترة طويلة، ظل الإعلام العمومي أسيرًا لقوالب جامدة من التناول الرسمي للأحداث، حيث كانت اللغة الخشبية والتغطيات البروتوكولية سمةً سائدة. لكن في الأسابيع الأخيرة، بدأت تظهر تغطيات ميدانية جريئة، وتقارير تلامس القضايا الاجتماعية، وتتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم دون رقابة مسبقة، مع نقاشات حية على الهواء تستضيف وزراء وتواجههم بأسئلة الجمهور مباشرة.
هذا التحول في الشكل والمضمون أعاد إلى الأذهان ما يفترض أن يكون عليه الإعلام العمومي في الأنظمة الديمقراطية: منبرًا للنقاش العمومي ومساءلة السلطة، لا مجرد ناقل لخطابها.
و يرى بعض المراقبين أن ما يحدث لا يعدو أن يكون تفاعلًا ظرفيًا فرضته احتجاجات الشارع، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وخلق قنوات تواصل جديدة بين الدولة والمجتمع.
في المقابل، يعتبر آخرون أن ما جرى فتح نافذة حقيقية لتجديد علاقة الإعلام العمومي بالجمهور، خصوصًا أن الأجيال الجديدة لم تعد تستهلك الإعلام التقليدي، بل تفضل المنصات الرقمية ومحتوى “المواطن الصحفي”.
إذا أراد الإعلام العمومي أن يستعيد مشروعيته وثقة جمهوره، فعليه أن يُحوّل هذا الانفتاح من رد فعل سياسي إلى قناعة مؤسساتية، قائمة على المهنية، التعددية، والاستقلالية التحريرية.
كما أن التحول الحقيقي لا يُقاس بحدة الأسئلة أو جرأتها في لحظة معينة، بل بقدرة المؤسسة الإعلامية على الاستمرار في مساءلة السلطة حتى في غياب الاحتجاجات، وعلى تقديم خدمة عمومية تستجيب لحاجات المواطنين لا لتوجيهات الفاعلين السياسيين.
فـ”المهنة” لا تُختبر حين تكون الأضواء مشتعلة، بل حين يعود الهدوء ويُترك للصحافي أن يختار القصة التي تستحق أن تُروى.
ما نعيشه اليوم قد يكون حسب مراقبين، بداية وعي إعلامي جديد داخل مؤسسات كانت تُتهم طويلاً بالتبعية والجمود. غير أن تحويل هذه اللحظة إلى مسار مستدام يتطلب إرادة سياسية واضحة، وإصلاحًا قانونيًا ومهنيًا يضمن استقلالية التحرير، ومجالس حكامة تضع المواطن في صدارة أولوياتها.
فإذا أحسن الإعلام العمومي التقاط هذه اللحظة، فقد تتحول من ردّة فعل إلى نقطة تحول تاريخية في علاقة المواطن بالإعلام والدولة معًا.
أما إذا عادت الأمور إلى ما كانت عليه، فسنكون أمام مجرد فاصل قصير في مسلسل طويل من التردد والتحكم.