حين تسمو العبادة على العادة في ظل عيد بلا أضحية

متابعة: ع.ب

يحل عيد الأضحى المبارك على المسلمين كل عام، حاملا معه شعائر دينية عظيمة، وأجواء اجتماعية ودلالات روحية متجذرة في الوجدان الإسلامي. وفي المغرب، كغيره من بلدان العالم الإسلامي، يشكل عيد الأضحى موعدا سنويا يتجدد فيه الإيمان، وتتقوى فيه الروابط العائلية، وتحيى فيه عادات متوارثة عبر الأجيال، في مقدمتها شعيرة الأضحية التي ترمز إلى الطاعة المطلقة والتقرب إلى الله عز وجل.

لكن عيد الأضحى لسنة 1446هـ / 2025م كان استثنائيا في المغرب، حيث أصدر أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، قرارا بعدم أداء شعيرة الذبح هذه السنة، حرصًا على مراعاة الضرورة والمصلحة الشرعية، ورفعًا للحرج عن المواطنين في ظل ظروف خاصة تعيشها البلاد، وهو قرار يستند إلى روح التيسير التي جاء بها الدين الإسلامي، لقوله تعالى: “وما جعل عليكم في الدين من حرج”.

بين العبادة والعادة.. جوهر العيد

غياب شعيرة الذبح هذا العام لم يلغ حضور العيد، بل أعاد تركيز المسلمين على جوهر العبادة، بعيدا عن المظاهر الشكلية. فالعيد في حقيقته ليس مجرد ذبحٍ أو توزيع لحم، بل هو طاعة لله، وصلاة، وتكبير، ورحمة، وصلة رحم، وإدخال السرور على القلوب.

وفي الوقت الذي غابت فيه أصوات الأكباش وتفاصيل الطقوس المرتبطة بالذبيحة، حضرت بقوة الصلاة الجامعة، والتكبيرات التي صدحت في المساجد، والمجالس العائلية الدافئة، والموائد التي جمعت الأحبة على ما تيسّر من رزق، وتبادل التهاني والدعوات الطيّبة.

عادات بصيغة الروح الجماعية

المغاربة، المعروفون بتشبثهم بعادات العيد، تأقلموا هذا العام مع الوضع الجديد بنضج لافت، حيث تحولت المناسبة إلى لحظة تأمل جماعية في مقاصد الدين، وتجديد لقيم التضامن والتآزر. بل إن البعض رأى في غياب الذبيحة فرصة للتقليل من مظاهر التبذير، ومنح البعد الروحي والإنساني للعلاقات أولوية على طقوس العادة.

وعلى الرغم من الحنين الذي أحاط بهذه المناسبة، فإن مشاهد التكافل، وتبادل الزيارات، واحتفاء الأسر بطقوس بسيطة، أظهرت أن العيد يمكن أن يكون عميقا في معانيه حتى دون ذبيحة، مادام القلب عامرا بالإيمان، والنية خالصة لله.

عيد بلا دماء.. لكنه عامر بالإيمان

لقد كان عيد الأضحى هذه السنة مناسبة نادرة لتذكير الناس بأن النية والمقصد أهم من الفعل والمظهر، وأن التضحية الحقيقية قد تكون بالتنازل، بالصبر، وبالتفهم لأحكام الشرع ومقاصده. كما أبان المغاربة عن وعي جماعي يتجاوز التعلق بالطقوس إلى تمثل أعمق للرسالة التي يحملها العيد: السمو، الرحمة، والطاعة الخالصة لله.

عيد الأضحى 2025 في المغرب كان بلا أضاحي، لكنه لم يكن خاليا من المعنى، بل لعله كان أكثر صدقا ونقاء، لأنه أفرغ العيد من الطقس، ليملأه بالنية، ويذكّر الجميع أن الإسلام دين يسر ورحمة، وأن أمير المؤمنين، بصفته الضامن لإقامة الدين، لا يتخذ قراراته إلا انطلاقا من الشرع، ومصلحة العباد، وأحكام الحكمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.