نصيبي من 8 شتنر
*بقلم : عبد الصمد بنعباد
في السنة الرابعة لأغلبية 8 شتنبر، أتذوق من خيرها العميم المنشور وسط الناس، جاءني نصيبي من هذه الأغلبيات الحاكمة على امتداد البلاد.
لم يدر في بالي، وأنا أنتقد انتشار الكلاب بعد 8 شتنبر، أن أكون ضحية لها، وهذا تماما ما جرى قبيل أذان العشاء من ليلة البارحة.
افترقت مع صديقي محمد، بعد أن أوصلته إلى محطة سيارات الأجرة، بين شوطي مباراة المنتخب، عائدا إلى البيت، علني أظفر بمتابعة النتيجة والتوقيت في باقي المباريات الجارية.
في الطريق اخترت السير بين الدروب على الشوارع الكبرى، اعتقادا أنها وبالرغم من التداخل والالتواءات، فإنها تظل أقصر وأقرب مقابل غيرها، طبعا وهذا ضدا على العلم الذي أن المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين.
في العادة أسير منحني الرأس، لأ أعلم هل هي تربية أمي، أم وراثة من أبي، أم أثر أولى الجلسات التربوية، التي رسخت غض البصر، و عدم مد الأعين إلى متاع الآخرين.
دخلت دربا، على يساري، انتبهت أني أمر بقرب الزاوية التيجانية، لما رأيت بعض مريديها يتحدثون في شبه حلقة، يجلسون على الحُصُر، ويستندون إلى جدار العطار الذي يفصلهم عنه فراغ بطول 5 أمتار، ينتظرون صلاة العشاء، بينما كان أحدهم قائما يصلي.
على يميني حمام، لكنه مغلق، منذ متى قرروأ إغلاقه؟ لقد كان يعمل طيلة الصيف، ما الذي استجد؟ هل أغلقوه أم يوم الاثنين عطلة؟ وإن أغلقوه، لماذا في هذه الأيام التي تتساقط فيها الأمطار؟..
لم تتوقف الأسئلة عن الحمام وسياسات الماء في هذا البلد، وغرابة القرارات التي تتخذ، والتي تقوم كلها على فرضية أن المواطن الفرد هو مصدر الشرور، حتى وإن ثبت العكس، وهذا في قناعتي، ما يدفع كثيرين إلى اعتناق نفس الفكرة تجاه السلطة (السلطة هي الشر).
لم أنهِ أسئلتي، بالكاد وصلت منتصف الحمام، كل هذا النقاش، وأنا أعبر جهة الحمام اليسرى إلى وسطه، حيث أقيمت ثلاثة أبواب، الأول للنساء، والثالث للرجال، بينما توسطهما مكان بيع التذاكر، كان أوسع قليلا من سابقيه، وأكثرهما عمقا، ليمكن من عرض مستلزمات الحمام الخفيفة من “الصابون البلدي” إلى “سطيلة الوضوء”.
في المنتصف، وعلى الجهة اليسرى، توقفت سيارة “بيكوب” داكنة اللون، قرب عجلتها اليمنى الخلفية لمحت طيف حيوان، ألفتُّ وجهي نحوه، لأتأكد، هذا خيال أكبر من قط، وأصغر من كلب، ثم انتبهت إلى المراضع، لأقطع بأنها كلبة، وهي واحدة من مئات الآلاف التي ملأت علينا الدنيا بعد “الفاتح” 2021 العظيم.
كنت أمشي على يمين الطريق، مع ميل إلى وسطها على وجه الدقة، قبل أن يدفعني هدير سيارة قادمة عكس الاتجاه إلى يسارها، وهو ما كنت أنوي القيام به استعدادا للخروج من داك الزقاق.
بسرعة انتقل عقلي من الحمامات، إلى رائحة السيارات، بعدما دخل أنفي بعض من رائحة المازوط، تساءلت لماذا لا تنبعث نفس الرائحة من المازوط قبل وبعد الاحتراق؟ ولماذا يوجد فرق بين رائحتي البنزين والمازوط، رغم أنهما يقومان بنفس الأدوار؟
تحرك مشبوه، أخرجني مما أسئلتي، وأعادني إلى محيط الحمام، الكلبة اقتربت مني، أدرت نصف وجهي وجسمي نحوها، أحنت رأسها، وأنزلت صفحتا أذنيها لتغلق بهما مداخل الصوت، ثم رمت عيناها بعيدا وعني، ولفت جسمها عائدة إلى خلف السيارة.
قبلت منها إشارات السلم، وعدلت جسمي، وأعدت شطر وجهي لقبلته، رفعت رجلي اليمني مستأنفا السيري، ثم أنزلتها على الطريق، كدت أرفع رجلي اليسرى، ولأنها مازلت في دائرة نظر عيني اليسرى، لم أعرف كيف خطفت عضة في لمح البصر أو أقل.
في جزء من الثانية أو أقل، عضتني وتراجعت إلى الوراء، استدرت عائدا إلى وضعي السابق، مستنفرا لضربها، وتقدمت خطوة نحوها، عازما محاصرتها والانتقام منها، هممت بضربها، حتى أعلمها ان الغدر ليس من شيم الحيوان، وثانيا لتعرف أني “ما كنتشمتش”.
توقفت متحيزا للمعركة، لم تجرع فخ الكلبة، فأنا من الجيل الذي كان يصنع النبل من القصب، ويتخذ سهما يضع في منتها إبرة أو مسمسارا، ويذهب مع رفاقه لصيد الكلاب في حملات تمتد لأيام من شروق الشمس إلى مغيبها.
نحن من الجيل الذي لم كبر قليلا، تعلم كيف يستفز الكلاب، ويستدرجها إلى فخاخه، كيف يغضب كلبا أو كلبة أو مجموعة كلاب، ثم يطلق ساقيه للريح، إيهاما للحيوان بالخوف منه، ثم يشرع في خفض سرعة جريه، حتى يظن الكلب قربه من نيل الطريدة، ويستمر حتى يقترب من الحيوان مما يظنها فريسته، ويتبقى متر أو أقل بينهما ثم يستدير مرتكزا على قدم واحدة، ويرسل الثانية إلى فم الحيوان أو صدره، فيقذفه ككرة.
يا سلام، كم كان مفرحا صوت الكلب وهو يئن ثم يبكي، ويفر هاربا يسبقه عواؤه، بعد أن يكون توقف ثواني وهو يحاول فهم هذا الانقلاب الحاصل، كيف تحول من صياد إلى فريسة، من مطارد إلى طريدة.
في لحظة مرت هذه الأشرطة، الكلبة تتراجع، وانا منتصب قبالتها، أخطط للرد، أرتدي سروال جينز، أنتعل “صابو”، السيارة شبه ملتصقة بالحائط من الأمام، هي لا يمكنها القفز.. ثم انتبهت أن لها مراضع، واشتغلت الذاكرة والخبرة التاريخية، التي تقول إن الكلبة تكون عنيفة لما تكون حديثة ولادة، وتريد حماية جرائها.
استسلمت لجرائها المفترضين، وقفلت مكملا طريقي، غاضب من “الشمتة”، منهزم أمام فرضية الجراء، ثم أعدت المشهد، لم تكن عضة بالمعنى الذي أسمع عنه، كانت أشبه باصطدام عابر، نعم شعرت بأنها أطبقت فكيها، لكنهما بالكاد انطبقا على السروال، مع احتكاك بسيط مع أعلى الكعب.
بعد أن وصلت شارعا أكثر إنارة، انحنيت لأرى أثر الكلبة، قلبت ساقي من كلا جانبيه، ثم أكملت طريقي، مهموما بنصيبي والملايين من الناس من 8 شتنبر المجيد.