العشر الأوائل من ذي الحجة في الذاكرة المغربية… طقوس الاستعداد للعيد بين عبق الماضي وتحولات الحاضر

متابعة: أبو دنيا

مع حلول العشر الأوائل من ذي الحجة، يتغير إيقاع الحياة داخل البيوت والأحياء المغربية بشكل يكاد يكون طقساً جماعياً متوارثاً عبر الأجيال. فهذه الأيام لم تكن مجرد محطة دينية مرتبطة بقرب عيد الأضحى، بل شكلت دائماً موسماً اجتماعياً وروحياً تختلط فيه مشاعر الفرح بالحنين، وتنبعث خلاله تفاصيل صغيرة صنعت جزءاً من الهوية المغربية وذاكرتها الشعبية.

في الماضي، كانت الاستعدادات تبدأ مبكرا، حتى قبل دخول شهر ذي الحجة بأيام. كانت النساء ينهمكن في تنظيف البيوت وغسل الأفرشة والأغطية، فيما يتولى الرجال مهمة التهيؤ لاقتناء الأضحية من الأسواق الأسبوعية التي تتحول إلى فضاءات نابضة بالحياة. هناك، تختلط أصوات الباعة بثغاء الأكباش وروائح التبن والتراب، في مشهد ظل راسخاً في وجدان المغاربة لعقود طويلة.

ولم تكن الأضحية وحدها محور الاهتمام، بل كانت العشر الأوائل مناسبة لإحياء قيم التكافل وصلة الرحم. فالزيارات العائلية تكثر، والجيران يتبادلون الأحاديث حول الأسعار والاستعدادات، فيما يحرص كثيرون على مساعدة الأسر المعوزة حتى تعيش فرحة العيد مثل غيرها. وفي القرى، كانت “التويزة” حاضرة بقوة، حيث يتعاون الناس في التحضير وتجهيز مستلزمات المناسبة في صورة تعكس روح التضامن المغربي الأصيل.

أما الأطفال، فكانوا يعيشون هذه الأيام بفرح خاص. ينتظرون عودة الآباء من الأسواق، ويتسابقون لمرافقتهم لرؤية الأكباش، فيما تتحول الأزقة إلى فضاءات للعب والحديث عن العيد وملابس المناسبة. وكانت للأهازيج الشعبية والتكبيرات التي تصدح من المساجد نكهة خاصة تمنح للأيام روحانية مميزة لا تُنسى.

ومع مرور السنوات، تغيرت كثير من التفاصيل بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية. أصبحت المدن أكثر ازدحاماً، وتراجعت بعض الطقوس التقليدية، كما دخلت التكنولوجيا إلى تفاصيل الاستعداد للعيد، فصار البعض يقتني الأضحية عبر التطبيقات أو المنصات الرقمية، بعدما كان الأمر يرتبط بجولات طويلة داخل الأسواق. كما تغيرت طبيعة العلاقات الاجتماعية، فتقلصت بعض مظاهر اللمة العائلية التي كانت تميز هذه المناسبة.

ورغم كل هذه التحولات، ما تزال العشر الأوائل من ذي الحجة تحتفظ بمكانتها الخاصة داخل الوجدان المغربي. فما إن يقترب العيد حتى تعود إلى الذاكرة صور الطفولة وروائح الماضي وأصوات التكبير، وكأن هذه الأيام تمتلك قدرة سحرية على إعادة إحياء المشاعر القديمة وربط الأجيال بجذورها الثقافية والروحية.

إنها ليست مجرد أيام عابرة في التقويم الديني، بل فصل كامل من الحنين المغربي، تختلط فيه العبادة بالعادات، وتلتقي فيه الروحانية بدفء الأسرة وصدق التفاصيل البسيطة التي صنعت جمال الزمن القديم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.