شريط الأخبار

4"][/video]

ثلاثة ضحايا يعيدون شبح الموت إلى مناجم خنيفرة.. وحقوقيون يرفضون اعتبار الحادثة “واقعة معزولة”

هيام بحراوي

هزت فاجعة مهنية جديدة منجم «إغرم أوسار» (البئر الجديد)، التابع لمناجم جبل عوام بمركز مريرت في إقليم خنيفرة، بعدما أودى حادث مميت داخل باطن الأرض بحياة ثلاثة عمال منجميين، في واقعة أعادت إلى الواجهة الأسئلة المرتبطة بشروط السلامة والوقاية داخل مناجم المنطقة، ومدى نجاعة آليات المراقبة والتدخل لحماية العاملين في بيئة عمل شديدة الخطورة.

ووفق بيان للمركز المغربي لحقوق الإنسان، فإن عاملين توفيا على الفور في قعر المنجم، فيما لفظ العامل الثالث أنفاسه أثناء نقله إلى المستشفى، في حادث تقول الهيئة الحقوقية إنه لا ينبغي التعامل معه باعتباره واقعة معزولة، بالنظر إلى ما وصفته بسجل متواصل من حوادث الشغل القاتلة في مناجم المنطقة.

انفجار في عمق 500 إلى 600 متر

بحسب المعطيات التي أوردها المركز، وقع الحادث داخل نفق يتراوح عمقه بين 500 و600 متر تحت الأرض، أثناء قيام العمال بأشغال الحفر وتثقيب الصخور بواسطة آلة الحفر المعروفة باسم «المارطو».

وتفيد المعطيات المتواترة من عين المكان، وفق المصدر نفسه، بأن آلة الحفر احتكت بلغم قديم غير متفجر، كان متروكاً دون تمشيط أمني أو احترام لبروتوكولات مسح مخلفات التفجير، ما أدى إلى انفجار مباغت ومدمر أودى بحياة ثلاثة عمال.

ولا تتوقف تداعيات الحادث، بحسب المركز، عند لحظة الانفجار، إذ يشير البيان إلى غياب التجهيزات الاستعجالية والطبية القارة الكافية في قعر المنجم، إلى جانب اهتراء مسالك الإغاثة ووسائل الاتصال الداخلي، وهي عوامل يقول المركز إنها تسببت في استنزاف وقت حاسم خلال عملية إخلاء العامل الثالث، الذي فارق الحياة أثناء نقله.

تهوية ضعيفة ومخاطر متراكمة

الفاجعة، وفق الرواية التي يقدمها المركز المغربي لحقوق الإنسان، تأتي في سياق أوسع من الإكراهات المرتبطة بظروف العمل داخل آبار مناجم جبل عوام.

ويشير البيان إلى معاناة العمال من ضعف حاد في شبكات التهوية، وتدفقات للمياه قد تتسبب في انهيارات الأتربة، فضلاً عن اهتراء المصاعد والنقص الفادح في قطع الغيار. كما يتحدث عن ما وصفه بالعشوائية في تداول واستعمال المواد المتفجرة، وعدم فرض أحزمة الأمان والإخلاء الصارم.

هذه المعطيات تجعل حادث المنجم، بحسب المركز، مرتبطاً بمنظومة أوسع من شروط السلامة المهنية، وليس فقط باللحظة التي وقع فيها الانفجار.

تحذيرات واحتجاجات سبقت الفاجعة

ويستحضر المركز المغربي لحقوق الإنسان مساراً طويلاً من النضالات والاحتجاجات التي خاضها عمال مناجم جبل عوام للمطالبة بتحسين ظروف العمل وتعزيز شروط السلامة.

وشملت هذه التحركات اعتصامات مفتوحة داخل باطن الأرض، على عمق مئات الأمتار، إلى جانب مسيرات ووقفات احتجاجية متكررة، طالب خلالها العمال بتأمين ظروف العمل، وتوفير طبيب قار بالمنجم، واحترام دفاتر التحملات، وضمان التغطية الصحية والتأمين عن حوادث الشغل.

كما يشير البيان إلى تنبيهات متواصلة أطلقتها هيئات نقابية وحقوقية بشأن خطورة تجميد أو تغييب لجان الصحة والسلامة المهنية داخل المنجم.

وبحسب المركز، قوبلت هذه المطالب والتنبيهات بما وصفه بـ«تعنت الإدارة» و«سياسة الآذان الصماء»، مع اتهام الإدارة بخرق محاضر اتفاقات سابقة والتنصل من الالتزامات الاجتماعية والقانونية.وعقب وقوع الحادث، نظم العمال مسيرات على الأقدام صوب العمالة وإدارة الشركة، للتنديد بما اعتبروه إهمالاً جسيماً.

مسؤوليات متعددة أمام التحقيق

المركز المغربي لحقوق الإنسان يعتبر أن ما وقع يمثل، بحسب توصيفه القانوني، انتهاكاً للحق في الحياة والسلامة البدنية، مستنداً إلى الفصول 20 و21 و31 من الدستور المغربي، وإلى المواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما المادة 7، إلى جانب اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالسلامة والصحة في المناجم.

وفي هذا السياق، يحمل المركز الشركة المستغلة مسؤولية مدنية وجنائية مباشرة، متهماً إياها بالإهمال والتقصير والخطأ الجسيم، وعدم توفير بيئة عمل آمنة، وعدم مسح وتأمين مناطق الحفر من المتفجرات غير المنفجرة، فضلاً عن غياب شروط الوقاية الفردية والجماعية.

كما يثير البيان مسؤولية وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، باعتبارها الجهة المعنية بقطاع المعادن، فيما يتعلق بالإشراف الفني والرقابي على المنشآت المنجمية، إضافة إلى مسؤولية وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات بشأن تفتيش الشغل ومراقبة احترام مقتضيات مدونة الشغل المرتبطة بالصحة والسلامة المهنية.

اتفاقية دولية تعود إلى الواجهة

ويربط المركز جانباً من النقاش القانوني بعدم مصادقة المغرب على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 176 المتعلقة بالسلامة والصحة في المناجم، والمعتمدة سنة 1995.

ويشير البيان إلى أن الاتفاقية تتضمن مقتضيات متقدمة في مجال الوقاية، من بينها التخطيط الدقيق للسلامة، وحق العامل في الانسحاب فوراً من موقع العمل عند استشعاره خطراً داهماً على حياته دون تعرضه للعقاب، فضلاً عن إشراك لجان السلامة في تدبير المخاطر.

وفي ظل عدم المصادقة على هذه الاتفاقية، يستند قطاع المعادن، بحسب المركز، إلى مقتضيات وطنية يعتبرها خبراء متقادمة وغير كافية، من بينها ظهير 24 دجنبر 1960 بمثابة النظام الأساسي لمستخدمي المقاولات المنجمية، والمقتضيات العامة للصحة والسلامة الواردة في مدونة الشغل رقم 65.99، إلى جانب نصوص تقنية متفرقة مرتبطة بشرطة المناجم وتدبير المتفجرات.

مطالب بفتح تحقيق وتعويض الأسر

في أعقاب الفاجعة، طالب المركز المغربي لحقوق الإنسان بفتح تحقيق قضائي نزيه وشامل ومستقل تشرف عليه النيابة العامة المختصة، للكشف عن أسباب الانفجار وملابساته، وترتيب المسؤوليات والجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تورطه أو تقصيره.كما دعا إلى تعويض فوري وعادل وشامل لعائلات الضحايا وذوي حقوقهم، وجبر الأضرار المادية والمعنوية والاجتماعية التي لحقت بهم.

وطالب أيضاً بإيفاد لجنة تقنية ورقابية وزارية محايدة ومستعجلة لمعاينة مختلف أوراش وبؤر الاستغلال بمنجم جبل عوام، ووقف العمل في المقاطع والآبار التي لا تستجيب للشروط الدنيا المتعلقة بالتهوية والسلامة والإنقاذ.

وفي موازاة ذلك، دعا المركز إلى تفعيل دور مفتشية الشغل ومصالح المعادن عبر زيارات ميدانية دورية ومباغتة، وإلزام الشركات باحترام بروتوكولات السلامة والرقابة الصارمة على تداول المواد المتفجرة.

كما طالب الشركة المشغلة بفتح حوار اجتماعي جدي مع ممثلي العمال والنقابات والاستجابة لملفهم المطلبي، فيما دعا الدولة المغربية إلى الإسراع بالمصادقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 176 وإعادة النظر في الترسانة القانونية المنظمة لقطاع المعادن.

وبينما خلفت الفاجعة ثلاثة قتلى من عمال المنجم، يضع البيان مجدداً قضية السلامة داخل المناجم أمام مسؤوليات الشركة والجهات الرقابية والقطاع الحكومي، في انتظار ما قد يكشفه التحقيق بشأن ظروف الحادث وملابساته.

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.