إمكانية رفض القضاء الحكم بالعقوبات البديلة في إطار سلطته التقديرية
بقلم:*عبد الجليل كوني
أدخل المشرع المغربي بمقتضى القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة إصلاحاً جوهرياً على السياسة الجنائية الوطنية انسجاماً مع التوجه الدولي الرامي إلى تقليص العقوبات السالبة للحرية القصيرة الأمد والبحث عن بدائل تحقق الردع والإصلاح في آن واحد. وقد منح هذا القانون للقضاء إمكانية الحكم بالعقوبات البديلة كلما توافرت شروطها غير أنّ ذلك يطرح تساؤلاً محورياً حول مدى إمكانية رفض القضاء الحكم بالعقوبات البديلةرغم توافر شروطها الموضوعية والقانونية؟
و في هذا الإطار يتعين التطرق
أولا إلى الأساس القانوني للسلطة التقديرية للقاضي في تقدير العقوبة ذلك ان
الأصل في السياسة الجنائية المغربية أن المشرع يحدد الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها بينما يترك للقاضي هامشاً واسعاً في تقدير العقوبة الملائمة ضمن الحدود المقررة قانوناً وذلك مراعاة لظروف الجريمة وملابساتها وشخصية الجاني، وتجد هذه السلطة أساسها من خلال
الفصل 110 من الدستور الذي ينص على أن القاضي لا يخضع إلا للقانون بالإضافة إلى النصوص الجنائية التي تحدد “حداً أدنى” و”حداً أقصى” للعقوبة تاركة للقاضي سلطة التقدير.
وبالتالي فإقرار العقوبات البديلة لم يسلب القاضي هذه السلطة بل أضاف إليها مجالاً جديداً لممارستها ،
حيث ان العقوبات البديلة ليست حقاً مكتسباً للمحكوم عليه بل هي آلية إصلاحية ذات طبيعة تقديرية يترك المشرع للقاضي سلطة تفعيلها أو استبعادها حسب ما يراه مناسباً، خاصة انه يشترط توفر مجموعة من الشروط المنصوص عليها في هذا القانون.
و جدير بالذكر أنّ تحقق هذه الشروط لا يعني إلزام القاضي بالحكم بها بل يظل له أن يقرر رفضها إذا تبين أن خطورة الفعل أو شخصية الجاني تقتضي عقوبة سالبة للحرية و بالتالي
يتضح ان القضاء يملك في إطار سلطته التقديرية صلاحية رفض الحكم بالعقوبات البديلة حتى عند توافر شروطها شريطة تعليل قراراته بما يبرر اختيارته، و نرى أن هذه السلطة يجب أن تُمارَس في نطاق ضيق انسجاماً مع التوجه التشريعي الجديد الذي يروم إقرار عدالة جنائية أكثر نجاعة وإنسانية وإلا فإن الإفراط في رفض هذه العقوبات قد يفرغها من محتواها الإصلاحي ويعرقل السياسة الجنائية الوطنية، و بالتالي فإقرار العقوبات البديلة لم يسلب القاضي هذه السلطة بل أضاف إليها مجالاً جديداً لممارستها.
و عود على بدء يمكن القول أن النص القانوني لم يجعل من العقوبات البديلة إلزاماً على القضاة بل منحهم سلطة تقديرية واسعة في الحكم بها أو رفضها انسجاماً مع مبدأ أساسي في العدالة الجنائية وهو أن العقوبة يجب أن تُلائم خطورة الفعل وشخصية الفاعل.
و القاضي وفق هذا المنطق ليس مجرد آلة لتطبيق النصوص بل سلطة تفكر وتوازن بين معطيات الملف وظروف المتهم ومصلحة المجتمع، لذلك حتى إذا توافرت الشروط القانونية للحكم بالعقوبة البديلة فإن القاضي قد يرفضها إذا رأى أن خطورة الجريمة أو شخصية الجاني تقتضي حبسا رادعاً.
*محامي بهيئة أكادير و العيون