مشروع قانون الصحافة الجديد: تقويض للاستقلالية المهنية تحت غطاء الإصلاح
متابعة: ع.ب
في الوقت الذي تتطلع فيه الأسرة الإعلامية المغربية إلى إصلاح تشريعي يعزز حرية التعبير ويضمن استقلالية المهنة، جاء مشروع قانون الصحافة الجديد ليطرح أسئلة مقلقة حول مستقبل الحقل الإعلامي في البلاد. الصحافي يونس مسكين، واحد من أبرز الأصوات المهنية المتابعة لهذا الملف، اعتبر أن النص المقترح يتضمن ثلاث نقاط رئيسية تضرب في العمق مبدأ الاستقلالية، وتؤسس لمنطق جديد يجعل من الصحافة أداة مقننة أكثر منها سلطة نقدية حقيقية.
أولى هذه النقاط تتمثل في غياب تمثيلية الجمهور داخل البنيات التنظيمية للمجلس الوطني للصحافة التي جاء بها المشروع، وهو ما يعد تقزيما لدور الصحافة كمؤسسة وساطة بين المجتمع والسلطة. فبينما يفترض في الصحافة أن تمثل هموم الرأي العام وتدافع عن حقه في المعلومة، جاء مشروع القانون ليكرس مقاربة تقنية منغلقة على المهنيين، دون أي اعتبار لصوت الجمهور، الذي يظل المتلقي النهائي للمنتج الإعلامي. هذا الإقصاء لا يمس فقط بشرعية التمثيل، بل يضعف الرقابة المجتمعية ويحول الصحافة إلى ناد مغلق.
ثاني المؤاخذات الجوهرية التي أشار إليها الصحافي مسكين تتعلق ببناء التمثيلية داخل المجلس الوطني للصحافة على أسس اقتصادية محضة، تعتمد على رقم معاملات المؤسسات وعدد الأجراء فيها. هذا المعيار، وإن بدا منسجماً مع منطق تدبير المقاولة، فإنه يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص، ويقصي عددا من المبادرات الصحفية المستقلة والجادة التي تشتغل بإمكانيات محدودة، لكنها تنتج محتوى عالي الجودة وتحافظ على خط تحريري مستقل. بذلك، يتحول المجلس من هيئة تعكس تنوع الجسم الصحافي إلى واجهة لمقاولات الإعلام التجاري، ما يفرغ التعددية من مضمونها.
أما النقطة الثالثة، والأكثر إثارة للقلق، فهي إدراج عقوبة الحجب ضمن النص القانوني، ما يشكل سابقة خطيرة في تاريخ التشريعات المنظمة للمجال. فبدلاً من اعتماد مبدأ التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة، يُمنح للمجلس أو للسلطات الإدارية صلاحية توقيف الجريدة كعقوبة تأديبية، وهو ما يعيد إلى الأذهان أدوات الرقابة التقليدية التي كانت تمارس في فترات سابقة تحت ذريعة حماية النظام العام أو مواجهة الأخبار الزائفة. هذه الصيغة الجديدة تفتح الباب أمام التأويلات وتضعف الضمانات القانونية لحماية حرية النشر والتعبير.
كل هذه المؤشرات تدفع إلى طرح تساؤلات مشروعة حول فلسفة مشروع القانون: هل نحن أمام خطوة تنظيمية تهدف إلى تحديث الإطار القانوني للمهنة؟ أم أننا بصدد هندسة جديدة للمشهد الإعلامي تكرّس فيها منطق الولاء والاحتواء على حساب الاستقلالية والتعدد؟ ما يطرحه يونس مسكين لا يمكن اختزاله في تفاصيل تقنية، بل هو تحذير صريح من أن المشروع، بصيغته الحالية، لا ينفصل عن سياق أوسع من الضبط المؤسساتي الذي يسعى إلى تحييد الأصوات المزعجة وتطويع الفضاء العمومي.
إن الصحافة، لكي تقوم بدورها كمراقب للسلطة وناقل للحقيقة، تحتاج إلى فضاء تشريعي يضمن حريتها، لا أن يُخضعها لمعايير السوق أو أدوات الزجر الإداري. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الاستقلالية المهنية ليست ترفا، بل شرطا لوجود إعلام حر ومسؤول.