‫الرئيسية‬ أخبار الساعة لغة السيد الرئيس
أخبار الساعة - الرأي - 18 فبراير 2019

لغة السيد الرئيس

لنفترض أنك ألفيت نفسك في زورق بمعية فرنسي وأمريكي، ثم هاج بكم اليم ومار. فما هويتك آنئذ؟ فأنت، مثل صاحبيك، لا تحسن غير لغتك. هل تحس بالدونية لأنك لا تحسن الإنجليزية؟ فهل شعر الأمريكي بما راودك؟ أم هل غَمَرَتِ الفرنسيَّ مثلُ مشاعرك؟ لِمَ تشعر بضعف لا يستبد بغيرك؟ فلا فضل للغتيهما على لغتك. لغتكم، آنئذ، إنقاذ أنفسكم!
قد تتكلم بضع كلمات فرنسية بسبب ربقة الجغرافيا. هل كنت لتعرفها لو ولدت ببلد غير بلدك؟ تتكلمها لأن الإرادة السياسية الفرنسية قررت ذات يوم التوسع في مجالها الحيوي، فاجتاحت أرضك. إذن، هي فرصتك لتستكشف العالم من حولك. فهل تعينك في ذاك فرنسيتك؟ لقد تحسر محام مغربي، إذ التقيته يوما في مكتبه بمعية أستاذه في الإسبانية، أنه ساح في بلاد كثيرة فوجد الفرنسية لا تسقي شربة ماء. تعلم الإسبانية والإنجليزية ابتغاء شربة ماء. وكذلك يدرس هو ابنه الإنجليزية. فهل فرنسية المغربي مفتاح لمعرفة الآخر وتحصيل معرفته أم شرنقة انغلاق؟
أذهلني أن يتخذ “مومو”، الإعلامي بـ”هيت راديو”، حلقة من برنامجه لتقويم فرنسية رئيس الحكومة، إذ حاور سعد الدين العثماني لأول مرة وسيلة إعلامية مغربية، “سيت أنفو”، بالفرنسية. عاتب المستمعون رئيس الحكومة لعدم تحدثه لغة فرنسية سليمة. ولما شاهدت الحوار، وجدت فرنسية العثماني لغة وظيفية مفهومة، إذ لا يجد عنتا في التعبير عن الفكرة، رغم بعض أخطائه اللغوية.
إنني أرى العلاقة باللغة الأعجمية علاقة انتفاعية في أُسِّهَا. أتحدثها إما لاجتلاب مصلحة أو درء مفسدة. والمذهل أن العثماني حاز دبلومين علميين في الطب العام والطب النفسي. فهل اشتكى مريض يوما من عجزه العلمي؟ أتمنح الدولة شواهدها لأطباء غير أكفاء؟
ارتأى المستمعون أن على وزير الخارجية السابق أن يتحدث الفرنسية بيسر. فهو يمثل، في رأيهم، بلده. وهنا ينبغي التوقف. فالمعروف في العرف الدبلوماسي أن رجل الدولة، رئيسا أو وزيرا، يجسد الكبرياء الوطني كما يمثل هوية بلده. واللغة الوطنية سيماء هذه الهوية. فسيد الكرملين فلاديمير بوتين يتحادث والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالروسية وهو مجيد للألمانية، كما أن ميركل تلم بالروسية والإنجليزية، لكنها لا تتكلم غير الألمانية. أما رئيس الوزراء الياباني، شينزو أبي، أو الرئيس الصيني، شي جين بينغ، فلا يتحدث كل منهما غير لغة بلده. وكذلك دونالد ترامب لا يلم بغير الإنجليزية. فالدقة اللغوية تفرض التحدث باللغة الوطنية، انتباذا لسوء الفهم. أليس لسوء الفهم أثر سيئ؟


إن اللغة الأعجمية هبة جيدة لمن يتقنها. فهي تعين على بناء علاقة ودية والطرف الآخر. وَعَلَّكَ ترى رؤساء الدول المتقدمة، جُلَّهُمْ، يلمون باللسان الإنجليزي. وليس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي نمتحن السيد العثماني في لغته، بِدْعاً في ذلك. فهو يجيد التحدث بالإنجليزية، بل أجرى حوارا بهذه اللغة مع صحافي من الـ”بي بي سي”. فهل نلوم العثماني بسبب فرنسيته أم لفقر إنجليزيته؟ وهل كان يجب الحديث عن حنكته الدبلوماسية حين كان وزيرا للخارجية أم عن لغته الأعجمية؟ فشينزو أبي يسوس اليابان دون فرنسية. فهل اشتكى اليابانيون لحظة من سياسته؟ فالمفترض في العثماني الإلمام بالضرورة بالسياسة الدولية والجغرافيا السياسية والمصالح العليا لبلده والتمتع بكاريزما ولغة دبلوماسية راقية، أي كل ما يُجَوِّدُ فعله الدبلوماسي.
لم يلمع البرنامج إلى كون العثماني يتحدث بلغتي الدستور بطلاقة ومدى قدرة بقية الوزراء على أن يحذوا حذوه. فأنا أرى في هذا السلوك اللغوي تغذية للسلم الاجتماعي الوطني. فمن انتخبوه اصطفوه لبرنامج حزبي واقعي يخدم المصلحة الوطنية، لا للإيديولوجيا المكنونة في اللغة الأجنبية. فحب اللغة الأعجمية وثقافتها وشعرها يجب ألا يهدم المصلحة الوطنية.
لم يلتفت كثيرون إلى كون إتقان الفرد للفرنسية يرتبط بالرأسمال الثقافي للأسرة. فالوالدان يُوَرِّثَانِ ابنهما رأسمالهما الثقافي كيما يحظى بقبول اجتماعي. أما سعد الدين العثماني فسليل أسرة أمازيغية عريقة في العلوم الدينية، يحوز شهادتين عُلْيَيَيْنِ في العلوم الشرعية. ولم أعرف عنه أنه دأب على السفر في صغره إلى البلاد الأجنبية لتجويد فرنسيته. لقد تعلم الفرنسية في المدرسة فحسب. وهذا يكون عادة غير كاف. فهويته أنه طبيب وعالم دين ولج السياسة عبر حزب مدني بمرجعية إسلامية. وما كان ينبغي مناقشته، في نظري، هو مدى استفادته من فرنسيته في وظيفته ومسيرته. أما كان الحري الحديث عن إنجليزيته؟
لا أدري لم تركز وسائل الإعلام على اللغة الأجنبية للمتدينين المحافظين. أمقياس هي لانفتاحهم؟ لم لا تفعل ذلك مع قادة الأحزاب الأخرى: لم لا تسائل إجادتهم اللغة الوطنية؟ أثمة وسيلة إعلامية أمريكية تلوم دونالد ترامب على لغته الوحيدة أو تلوم أنجيلا ميركل لحديثها بالألمانية فحسب؟ بلى، ينبغي الإلمام بلغة أعجمية متقدمة للظفر بالمعارف الحديثة. فوزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو يتقن الإنجليزية والألمانية والملايوية والعربية. وينجلي فهمه الدقيق للوضع الجيوسياسي لتركيا ومحيطها الدولي عبر كتابه “العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية”. لا جرم أن اللغتين الأعجميتين، الألمانية والإنجليزية، أفادتاه في صياغة أطروحته، لكن للنظام التعليمي لبلده حظ في سداده. فهل يجب أن نتعلم اللغة الأعجمية لميزة فيها، مثل تيسير هضم المعارف والعلوم، أم لأن الجغرافيا فرضت ذلك قسرا؟ أجبني، من فضلك؟

  1. السلام عليكم. اود ان اشكركم على اتارتكم هدا الموضوع و خاصة من خلال هده الزاوية و الرؤية. كما قلتم أعلاه ان السيد رئيس الحكومة تتلمد في المدرسة العمومية المغربية ادا هدا ليس ذنبه و لكن ذنب المدرسة و المنظومة التعليمية بالمغرب و أظن أن غالبية اللدين تمدرسوا بالقطاع العام لا يجيدوا اللغة الفرنسية بطلاقة حديثا و كتابتا. فعلى السيد العثماني ان يتدارك الموقف و يعطي اهتماما اوفرا لقطاع التعليم حتى ينتج خرجين في المستوى المطلوب.
    تانيا على السيد العثماني ان يستثمر في تكوينه اللغوي حتى يجيد بعض اللغات الحية و يتقنها و يمثلان احسن تمثيل.
    انا مقارنته بالرئيس ترامب فهاد في نظري بعيد.
    لان ترامب يتكلم لغة العالم رقم ١ و هو في غنى على تعلم لغة أخرى لأننا نحن الدين في حاجة لبلده و لعطاياه و إحسانه. ما دمنا نمد ايدينا للدول الأخرى و نطلب الإعانات فعلينا أن نتقن لغتهم و لا يمكننا أن نفرض عليهم لغتنا .
    و اخيرا أظن أن السيد العثماني و حزبه لو التزموا و اوفوا بوعودهم الانتخابية و لو كان دا شخصية قوية و قدم للشعب المغربي ما ينتظره منه لكان محط احترام و تبجيل من طرف الكل ولا يتجرأ أحد على انتقاده او الملاحظة عليه وإحصاء اخطاءه اللغوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…