‫الرئيسية‬ أخبار الساعة مرة أخرى في شأن 11 يناير.. وماذا عن 29 يناير 1944؟
أخبار الساعة - الرأي - 11 فبراير 2019

مرة أخرى في شأن 11 يناير.. وماذا عن 29 يناير 1944؟

حمزة الأمين*
*قيادي شوري سابق

كلما حلت ذكرى تقديم وثيقة/وثائق الاستقلال، إلا وانتابني شعور بأن الميز والتعتيم الذي طال هذه الوثيقة/الوثائق، شكلا ومضمونا وتأريخا، سينجلي لينمحي عاجلا أو آجلا، خاصة وأن العديد من المنابر الإعلامية والسياسية، وكذا النقاشات التي تثار خلال بعض الندوات الفكرية، أخذت تتحدث عن هذا الموضوع في السنوات الأخيرة، موجهة بذلك رسائل إلى الجهات الرسمية التي ساهمت قديما، قصدا أو عن غير قصد، في هذا الحيف المترتب عن التحريف المقترف باتخاذ 11 يناير يوم عطلة إرضاءً لأطراف سياسية معينة وفي ظرف سياسي معين.
ومساهمة منا في تنوير الأجيال والرأي العام، أتوجه إلى السادة المسؤولين مستفهما: متى تختفي وتنمحي الحزبية المقيتة التي لا تخدم مصلحة البلاد… ومتى يصبح لكل رجالات الوطنية مكانتهم في تاريخ وطنهم دون يطالهم حيف بتجاهل كل ما بذلوه من تضحيات جسام من أجل التحرير ونيل الاستقلال؟!
نعم أيتها الأجيال، إن الكفاح الوطني من طرف المناضلين الشرفاء كان في المستوى المطلوب، حيث قام كل واحد منهم بواجبه لأجل تحرير البلاد من أغلال الاستعمار، لا فرق بين وطني وآخر كيفما كان فكره أو انتماؤه السياسي ومهما بلغت كفاءته وإخلاصه.
غايتي من هذه الحيثيات التاريخية هي إخبار الأجيال والباحثين بما حدث ولا علم لهم به، وهذا شيء لا يجوز وتقع مسؤوليته على كل من يهمه الأمر…
وبهذه المناسبة، أذكـِّر الأجيالَ، مرة أخرى، بنضال أجدادها وآبائها وأقاربها، حيث إن المغرب كان خاضعا للاستعمار الفرنسي تحت مسمى الحماية، إضافة إلى الاحتلال الإسباني شمالا، وكانت مدن هذه المنطقة تعيش في ظل تسامح نسبي للحكومة الإسبانية التي راهنت على تقويض الحضور الفرنسي بالمغرب، ولذلك كانت تغض الطرف أحيانا عن بعض الأنشطة السياسة المناوئة للوجود الاستعماري الفرنسي بالمغرب، فاستغل وطنيو الشمال هذا الجو من الانفراج السياسي في المنطقة الشمالية (التي كانت تسمى المنطقة الخليفية) للسبق إلى إصدار وثيقة للمطالبة بالاستقلال سنة 1939.
كما أن الحزبين الوطنيين اللذين كانا ينشطان في الشمال هما: الوحدة المغربية بزعامة الشيخ محمد المكي الناصري، والإصلاح الوطني بزعامة الأستاذ عبد الخالق الطريس؛ أما التنظيمان الوطنيان المنبثقان (في المنطقة السلطانية) من الحركة الوطنية، التي تأسست سنة 1930 واستمرت إلى غاية سنة 1937، فهما الحزب الوطني بزعامة الشيخ علال الفاسي الذي أصبح يحمل اسم حزب الاستقلال ابتداءً من سنة 1944، والحركة القومية بزعامة الأستاذ محمد حسن الوزاني التي أصبحت تسمى بحزب الشورى والاستقلال سنة 1946.
وكما أشرت إلى ذلك في مقال سابق، فنظرا إلى تراكم مجموعة من الأحداث بدءا من منتصف الثلاثينيات إلى مستهل سنة 1943، نضجت فكرة المطالبة بالاستقلال عند مختلف مكونات الحركة الوطنية، وتزامن ذلك مع القمة الثلاثية التي جمعت في يناير 1943 بالدار البيضاء كلا من السلطان محمد الخامس وفرانكلين روزفلت، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني؛ وعلى هامش ذلك، عقدت عدة لقاءات بين القيادات الوطنية.. في هذا الإطار، قام السيدان محمد الزغاري وأحمد باحنيني، من الحزب الوطني، بزيارة للسيد عبد الهادي بوطالب، الذي كان أستاذا بالمعهد المولوي وأحد قادة الحركة القومية، للتشاور في إمكانية صياغة وثيقة تطالب بالاستقلال إسوة بـ”وثيقة الشمال”. وفعلا، اجتمعت بالعاصمة العلمية فاس مختلف القيادات، إضافة إلى مجموعة من الشخصيات الوطنية التي اقترحت لمَّ الشمل والتكتل في حزب واحد للتوقيع على عريضة للمطالبة بالاستقلال. وخلال هذا الاجتماع، تم الاتفاق على التأييد الكامل لوثيقة المطالبة بالاستقلال، على أساس توقيعها من طرف حزبيْ “الحركة القومية” و”الحزب الوطني”، إضافة إلى شخصيات أخرى مستقلة.. ولكن، سيتبين بعد ذلك أن وجهة نظر السادة قادة الحزب الوطني صارت متمحورة حول الإمضاء على الوثيقة مع تقديمها باسم حزبهم كهيئة مستقلة، مع فتح الباب لمن أراد التوقيع بدون انتماء معلن.. وعلى إثر ذلك، تم عقد لقاءات بين الأستاذ بوطالب والقاضي محمد الجناتي، عن الحركة القومية، والأستاذ المهدي بنبركة، عن الحزب الوطني، لأجل إيجاد حل لهذه الإشكالية… فخلص اللقاء إلى أن يوقع السيدان بوطالب والجناتي على الوثيقة بصفتهما الشخصية ونيابة عن بقية زملائهم.. ومباشرة بعد ذلك، توجها إلى بيت السيد أحمد بلافريج بمدينة الرباط مساء يوم 10 يناير 1944 ليفاجؤوا بوجود العريضة خارج العاصمة.. وقبيل ظهيرة يوم الغد (أي 11 يناير)، بعد 12 ساعة تقريبا، تم تقديم العريضة إلى عاهل البلاد. وهنا أفتح قوسا لأشير إلى البوادر الأولى للمقولة الشهيرة لحزب الاستقلال آنذاك “المغرب لنا لا لغيرنا” التي تجسدت جليا في هذا المضمار. وفي نفس اليوم، حضر السيد أحمد مسعود، رئيس الكتابة الخاصة للملك، إلى المعهد المولوي وأخبر السيد بوطالب بتلقي الوثيقة، وأضاف أنه عندما تحدث في شأنها مع المقيم العام، قال له هذا الأخير إنها لا تمثل إلا رأي حزب واحد لا يملك التحدث باسم الشعب المغربي بكامله، وأن حزبا له وزنه وهو “الحركة القومية” لم يقل كلمته في الموضوع.. ثم سأل السلطان الأستاذ بوطالب عن سبب غياب توقيع حزبه مع الآخرين فأخبره بالاتصالات التي جرت بينهم، والنتيجة السلبية التي آلت إليها؛ فاستمع السلطان مليا، ثم قال للأستاذ بوطالب بعد لحظة تدبر وتأمل: “بدون مشاركة حزبكم سيجهض طلب الاستقلال، وأنا أعلم أن المقيم العام إنما يتخذ من غياب حزبكم عن الساحة ذريعة للتشكيك في أهمية هذا المطلب، فأرجو أن تسارعوا”. ومباشرة، اتصل السيد بوطالب بزملائه قادة الحركة القومية. وفي ظرف 48 ساعة، أي في يوم 13 يناير، كان وفد الحركة يحظى باستقبال حار من لدن السلطان محمد الخامس (رحمه الله)، ويضع بين يديه عريضة المطالبة بالاستقلال التي أعدتها الحركة القومية برئاسة الأستاذ عبد الهادي الشرايبي الذي ألقى كلمة بالمناسبة، فيما ثمن ملك البلاد الأمر مخاطبا الوفد القومي بهذا النطق الكريم: “إني مبتهج أشد ما يكون الابتهاج بعريضتكم فهي تعادل في قيمتها وثيقة إخوانكم في حزب الاستقلال”.
وبالمناسبة، أنفي ما قيل ويقال من كون الاحتفال بيوم 11 يناير فقط، ربما يكون السبب وراءه العلاقة التنظيمية بين المؤسسة الملكية وحزب الاستقلال، فهذا كلام غير مقبول لأن المغفور له محمدا الخامس كان ملكا لجميع المغاربة وليس لفئة معينة أو هيئة سياسية معينة.
ولكن، للأسف الشديد، تم اختزال المطالبة بالاستقلال حتى يومنا هذا في وثيقة “حزبية” واحدة عوض سرد الحقيقة الكاملة، الغائبة المغيبة عن كثير من أجيال ما بعد الاستقلال، والمتمثلة في الوثائق المذكورة أعلاه من وثيقة الشمال إلى وثيقة الحركة القومية.
وبالتالي، فقد كان حريا بالمسؤولين (في ظرفية سياسية معينة) اعتماد يوم آخر لتجسيد ذكرى المطالبة بالاستقلال، ولعل التاريخ الغائب المغيب لن يكون تاريخا آخر أهمَّ من 29 يناير، اليوم الذي حصلت فيه مواجهات دموية مع قوى السلطة الاستعمارية وأعوانها في المدن الكبرى (وبالأخص سلا وفاس والدار البيضاء) وحتى في بعض القرى التي نشط فيها الوطنيون تأييدا لمطلب الاستقلال، وشملت مناضلين وأنصارا من مختلف فصائل الحركة الوطنية، بمن فيهم الوطنيون غير المنتمين، حيث تعرض الكثير منهم للاعتقال (في زنازين السجون وأقسام البوليس) ونـُكِّل بهم حدَّ الاستشهاد.. كانت محنة قاسية جدا.
حدث هذا على إثر زيارة المقيم العام الفرنسي (بيو كابريل) مساء 28 يناير للقصر الملكي، فاستقبله السلطان (رحمه الله)؛ وبعجرفة وغطرسة خاطب ملكَ البلاد: “هل أنتم مع فرنسا أم ضدها؟”، فكان جواب الملك: “أنا مع حرية شعبي، واستقلال بلادي”.
إلى هنا ينتهي كلامي الموجه إلى الأجيال؛ أما كلامي إلى المسؤولين المحليين السابقين والحاليين وحتى اللاحقين، والذي سأظل أردده كلما حلت مناسبة، فأطرحه كالآتي في صيغة سؤال:
ما هو السبب في الاقتصار، عند الرغبة في تسمية شوارعَ وأزقةٍ وساحاتٍ عموميةٍ، على أسماء شخصيات وطنية دون أخرى؟! لماذا يتم استثناء قادة حزب الشورى والاستقلال التاريخي من هذا التكريم المعنوي، من أمثال السادة: الزعيم محمد حسن الوزاني، الشهيد إبراهيم الوزاني، الحاج أحمد معنينو، الأستاذ أحمد بن سودة، وغيرهم كثير كثير؟!
لماذا كل هذا الميز القرين للحيف والإجحاف..؟!
“وما عند الله خير وأبقى”، صدق الله العظيم.

  1. حزب الشورى والاستقلال هو أول حزب مارس المعارضة السياسية في مغرب ما بعد الاستقلال، و قد دفع الثمن غاليا قبل و بعد الاستقلال إثر تعرض مناضليه و أنصاره للاغتيال و لشتى أنواع التعذيب من بعض المليشيات المسيسة و تحت اشراف -يا حسرة- من بعض الأسماء الوازنة في “الحزب الوحيد” وقتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

حقائق عن مارادونا أسطورة كرة القدم

محمد محي الدين ولد دييغو أرماندو مارادونا في 30 أكتوبر 1960 في ضواحي مدينة بوينس آيريس الف…