‫الرئيسية‬ أخبار الساعة إيديولوجيـــــا قاتلـــــــة
أخبار الساعة - الرأي - 1 يناير 2019

إيديولوجيـــــا قاتلـــــــة

كيفما كانت رؤيتك للعالم من حولك، فإنه لا يجدر بك أن ترتكب حماقة باسم معتقدك، ثم تقول إن معتقدي هو الذي أمرني باقتراف كذا وكذا. فقولك لو كان صحيحا لارتكب كل مناصري رؤيتك الفعل ذاته. وبما أن ذلك لم يحدث، فينبغي أن تبحث عن مبررات أخرى لتفسير خطوتك.
إنني ألمع هنا إلى جريمة إمليل وما لحق بها من تفسيرات. فالجناة ذبحوا فتاتين بريئتين ذنبهما أنهما أرادتا إنفاق شهر بالمغرب لتمتين معرفتهما العلمية. وبما أنهما طالبتا علم، فالحري في مثل هذا السياق أن يسعى أي شخص صادفهما إلى الاغتراف من علمهما أو الاستفادة، على الأقل، من تمرسهما برياضة تسلق الجبال. فالعاقل يبحث عادة عن الاستفادة من تجربة المغاير وتلقيح تجربته هو بما حصَّله، لكن ما حدث في سياقنا شيء آخر. ما حدث كان سحقا للآخر. فهل لذلك علاقة بالعقيدة الدينية المنتشرة بين سكان تلك المنطقة من إفريقيا؟ لا أعتقد. فهذه المنطقة تدين بالإسلام منذ قرون ولم يحدث أن هرول سكانها خلف مخالف في العقيدة. ألم يعش بين ظهرانيهم اليهودي والنصراني وحواريو نِحَلٍ أخرى؟
أعتقد أن للقضية علاقة بالسياسة. فلا نص دينيا يُحِلُّ دم امرئ أعزل أو امرأة أو طفل. وبإلقاء نظرة فاحصة على سياق الأحداث الدولية، نسجل انكماش التنظيمات الإرهابية في بقع شتى من العالم. فالقاعدة لم نعد نسمع عنها شيئا، كما أن تنظيم داعش الآن يخوض معارك مصيرية في سوريا. نحن لا نجزم بانتماء المتهمين إلى أي تنظيم إرهابي، لكن التفسير الممكن الآن في ظل ارتباط القضية بالإرهاب هو هذا التفسير. فالعملية ضربة سياسية مؤذية، في نظرهم، لمن يظنون أنهم أعداؤهم.

إن التمعن في القضية يسوقنا إلى التفكير، أولا، في جنسية السائحتين. فهما تنتميان إلى المنطقة الاسكندنافية. وهذه المنطقة هي التي عرفت قضية الرسوم المسيئة إلى نبي الإسلام. فَثَمَّ تيار فكري يرجع سبب الإرهاب الذي تقوم به طائفة من المسلمين إلى الديانة الإسلامية. وبالتالي، على المسلمين خلع جبة التدين كيما يصيروا غير إرهابيين. إذن، هذه الجريمة حجة إضافية لهذا التيار. وبما أن ثمة جالية مسلمة هناك، فإننا ندرك حجم الضرر النفسي الذي يصيب أفراد الجالية. فالجريمة تدق إسفين الحقد بين ثقافتين مختلفتين. فقد اغتالت ثقافةٌ ثقافةً أخرى. وهذه الثقافة القاتلة ليست ثقافة مسلمي التيار العام، بل ثقافة القلة. إنها ثقافة فرعية.
إن وجود الشابتين بالمغرب يظهر تذوقهما فن الحياة. وإذا نظرنا إلى تخصصهما الجامعي “التعدد الثقافي والأسفار والإيكولوجيا”، فإن ذلك يشي بالتقدم المعرفي للجامعة النرويجية “جنوب شرق النرويج” وسعيها نحو غرس قيم التعدد الثقافي والتسامح الفكري في عقول طلابها. إنها تروم تمكينهم من معارف ميدانية مثمرة. فالتقلب بين الثقافات والحضارات المغايرة يجعل المرء متفتح الذهن يحترم الآخر كما يتفهم آراءه. لذلك تجده يعتنق مبدأ النسبية في حكمه على الأشياء. فهل من قتلوا مارن ولويزا كانوا بمثل نظرتهما أو تجربتهما؟ أشك في ذلك. فمن كان ديدنه النسبية أو التفكير النقدي يسائل الفكرة قبل تجسيدها عمليا. وفي سياقنا هذا كانت الفكرة الشقية إزهاق روحين بريئتين دونما سبب. إذن، لغشاوة الجهل نصيب في ما حدث. هل كان ذلك سيحدث لو مكناهم من المعرفة النقدية؟ إنني أتساءل.


لقد ارتكبتْ الجريمةُ بمنطقة قروية. والقرية معروفة بعوائدها المحافظة الجامدة، لكن العامل الرقمي خرق العادة. فهل كانت الجريمة سترتكب لو لم يكن هناك أنترنيت؟ لنتذكر أن التنظيمات الإرهابية تُسَوِّقُ منتوجها الثقافي، عبر خبرائها، في الشبكة العنكبوتية. فلا بد لدعايتها أن تصيب بعض الناس أو القرية القصية أو أي فئة عمرية طرية. فالعامل الرقمي يَسَّرَ عولمة الإرهاب. صارت الفكرة الإرهابية تعبر الطرق السيارة بيسر بالغ.
إنني أرى عامل السن عاملا تفسيريا حيويا. فالمعتقلون يفكرون من قوقعة أعمارهم. فما خبرتهم بالحياة وما مدى فهمهم للسياسة الدولية أو القضايا الدولية؟ هم من نفس الفئة العمرية للشابتين، لكن لا مقارنة بين مشروعي عالمتين وشباب بمحصلة معرفية هزيلة. فالتعليم النرويجي اشتغل على الذوات النرويجية. أما هؤلاء الشبان فكانوا ضحية جهالة بائسة. جهالة جعلتهم يستسهلون تذبيح أخوات في الإنسانية. كيف ستكون ردة فعلهم لو أن أختا لهم اغتالتها خناجر يميني متطرف؟
إذا كانوا يريدون نصرة تنظيم إرهابي، فالفكرة مخبولة أساسا. فالتنظيمات الإرهابية يسهل اختراقها وتدميرها أو محاصرتها. أين هي القاعدة الآن؟ أين هم قادتها؟ إن من يقوم بالفعل الإرهابي بغيته أن يتخلص من حياته، أي أنه يئس من حياته. فهل كانت هذه فكرة القتلة؟
إن من مساوئ التكنولوجيا الرقمية هي دقرطتها. فهي متاحة للمعتوه والعاقل. إنها تربي المتلقي على إيلاف المشاهد الصادمة. أَحْزِرُ أنك توصلت بفيديو الذبح. إنها خدمة مجانية، إذن، للقتلة. هم استخدموا المعطى الرقمي لتتويج عمليتهم كما استخدموه لدفع غيرهم إلى القيام بمثل فعلهم. لذلك أرى أن توزيعَ مثل هذه الفيديوهات خلق لمجرمين جدد وغرسٌ للبسمة في شفاههم. ينبغي أن ترمي كل مشاعرك الإنسانية في البحر للتفرج على هذه الضغينة البشرية. ينبغي أن تسحق برجليك كل ثقافتك الإنسانية لتخون ذكرى روحين بريئتين.
إننا نمر في كل مرة بحوادث إرهابية جديدة، لكن المشكلة هي أننا لا نعرف الخلاصات المعرفية للجرائم الإرهابية. فالمفروض أن ينورنا علماء النفس أو علماء الاجتماع بتحليلاتهم العميقة ونصائحهم حتى يعرف الآباء طرائق تجنيب الأبناء أو البنات الطريق الإرهابية. طريق لا يعرف وعورتها إلا من اكتوى بنارها أو مر بمحاذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…