‫الرئيسية‬ الرأي أهرامات الجنرال
الرأي - 8 أكتوبر 2019

أهرامات الجنرال

اتصل بقائده مستوضحا. فقد أخبره مَنْ أمامه برواية صادمة. هذه الرواية يفندها قول قائده: ” باسم وطننا وشعبنا، أكلفك بمهمة: العميد ترزي خائن للوطن. اقتله قبل دخوله المقر. هذه طريق نهايتُها الشهادة. أنت تدرك أننا عملنا سويا عشرين عاما. سامحني.” كان القول قول قائد القوات الخاصة التركية زكائي أق صاكاللي إلى سكرتيره الضابط عمر خالص دمير. أما الرواية الصادمة، فهي السردية التي رواها الانقلابيون لعمر في تلك الليلة الليلاء من عمر تركيا الحديثة، ليلة 15 يوليوز 2016، إذ زعمت مجموعة مكونة من ثلاثين عسكريا تزعمها العميد سميح ترزي أن الانقلاب نجح وأنها جاءت لتسلم مقر القوات الخاصة بأنقرة. عمر وترزي اشتغلا سويا في الجيش التركي بأفغانستان. ومع ذلك، لم يبتلع عمر سردية ترزي. فقد كانت غاية الانقلابيين شل فعالية القوات الخاصة وإدارة سلسلة من الاغتيالات والقنص من مقر القوات الخاصة. صوب عمر رصاصته صوب جبهة ترزي، فأرداه قتيلا. فرد الانقلابيون بثلاثين رصاصة اخترقت جسده. قاومت القوات الخاصة والشعب التركي العملية الانقلابية ببسالة ونجح الجميع في هزم المؤامرة.

كان لفعل عمر إسهاما حيويا في دحر الانقلابيين وخطتهم. وساهمت تضحيته في إنقاذ تركيا وديمقراطيتها من مستقبل غامض. شارك في جنازة عمر أكثر من خمسة آلاف مشیع. وحمله الجنود الأتراك، ملفوفا بالعلم التركي، في جنازة عسكریة مهيبة. وأطلق اسمه على بعض ميادين تركيا وثانوياتها ومنتزهاتها. وإذا كانت ثمة عظة من البطولة المؤثرة للضابط عمر، فهي أن الجيش التركي حمى الديمقراطية التركية من التبعثر، إذ لم يكن الانقلاب محل إجماع من قادة الجيش التركي. فلم الانقلاب والديقراطية التركية هي التي فتحت الباب أمام ازدهار تركيا محليا ودوليا؟ وما الفائدة من الانقلاب، إذا كانت الديمقراطية تمكن الشعب التركي من تحقيق تصوراته؟ وهل ثمة أيد خارجية؟ ولو تأملنا مفردات من خطاب زكائي لعمر، مثل “خائن للوطن” و”الشهادة”، فقد نتشمم العقيدة العسكرية للجيش التركي. وكيما يؤمن الجندي بهذه العقيدة بصدق، فلا بد أن ينال هو أيضا نسمات من الديمقراطية. فلا بد أن زكائي لن يقبض رشوة من عمر، مثلا، لأجل ترقيته. فكيف يأمره بالشهادة، إذا لم يكن قدوته؟ لا بد أن وطنه أنصفه، لذلك روحه فداء لهذا الوطن.
لقد أظهرت التجربة التركية أن ما يمكن للجيش أن يقدمه لوطنه، وهو في الثكنة، أكبر مما يمكنه تقديمه لوطنه وهو حائز للسلطة. وقد جرب الأتراك انقلابات عسكرية لم تقدم للبلاد شيئا. فالجندي، بحكم تكوينه وتدريبه على القتل، يمكن أن يلعب دورا حيويا في تاريخ شعبه ووطنه، إذا لزم مربع اختصاصه. أما إن أراد أن يفرض تصوره “السياسي” للأشياء. فتلك بداية المحنة. هل يمكن للطبيب أن يكون طبيبا ورجل أعمال في الآن ذاته؟ فالحقل السياسي مجال السياسيين المتمرسين وأهل الحِلْمِ والنظر العميق.


لقد فاجأت العالم تصريحات رجل الأعمال المصري الفنان محمد علي. وتضفي الصفتان “رجل الأعمال” و”الفنان” صبغة خاصة على وزن الرجل في المشهد السياسي المصري. فهو ينتمي لنخبتين مصريتين لهما دورهما الرئيس في الحياة العامة المصرية. هو ليس إخوانيا ليتهمه الجنرال السيسي بالانتماء إلى منظمة “إرهابية”، كما خَبَرَ الوسط العسكري باعتباره مقاول الجيش لخمسة عشر عاما. ويتهم مضمون الفيديوهات السيسي وقادة من الجيش بتبديد أموال عمومية طائلة لأجل نزوات فردية، مثل تشييد قصور فخمة أو فندق من سبعة نجوم. فالسيسي هو من طبق سياسة التقشف الاقتصادي على شعبه وأودع 60000 معتقل سياسي السجن، كما أعدم معارضين سياسيين بعد محاكمات صورية. وحينما تتأمل رقم 60000
معتقل وإعدام المعارضين السياسيين، نتساءل توا: وأين هي السياسة من كل هذا؟ فالمفترض أن يحتوي الذكاء السياسي أي معارضة سياسية، لا بالسجن أو الشنق، بل بالمهارة السياسية. ولو تأملنا تألق قامة عسكرية رفيعة من الجيش المصري في حرب أكتوبر، أي الفريق سعد الدين الشاذلي، لوجدنا تألقه نابعا من مهارته الحربية، إذ كان ضليعا في الفن الحربي، أي مجال اختصاصه. وحتى الفساد الذي اتهم به الملك فاروق وبطانته هو ما يتهم به بعض ضباط مصر الآن. فما الحاجة للتدخل العسكري، إذن، في الشأن المدني؟ فالطريق نحو الشاليهات والقصور ليس هو الطريق السياسي، بل الطريق المدني. وكيف ينجح ضابط في مهمته العسكرية وذهنه مشتت على غير العمل العسكري؟
لقد أقنعت الفيديوهات التي بثها محمد علي بعض المصرييين بالتظاهر في بعض المدن المصرية. مظاهرات تَحَدَّتْ منع السلطات المصرية للتظاهر بعيد انقلاب السيسي عام 2013، كما كسرت حاجز الخوف. فالجنرال السيسي الذي يجيد التحدث بعاطفة جياشة لم يفلح في إقناع الجميع بأن ما يدعيه محمد علي محض ترهات. فقد اعترف ببنائه قصورا ورغبته في المزيد، رغم أن 32.5 من المصرين يعيشون تحت عتبة الفقر. ولا شك أن الجميع يحدق في أقوال محمد علي. هذا الرجل الذي ينطق بلغة العامة، كما يجيد التحدث أمام الكاميرا، ولا يبدو أنه أسير أي سطوة إيديولوجية. وهذا ما يجعل لكلامه بريقا خاصا. وإذا كان الجنرال السيسي قد قال إن مصر دولة فقيرة، فهل هذا يشجعه مستقبلا على طلب مزيد من الصبر من هذا الشعب “الفقير”، شعب الأهرامات والحكم الفرعوني البائد؟

ŞEHİT ASTSUBAY HALİSDEMİR TOPRAĞA VERİLDİ. (YASİN ESEN/NİĞDE-İHA)

  1. متألق كعادتك أستاذ عبد العال، الذي يثير الإشمئزاز هو بلد بجلالة مصر يحكمها أمثال هؤلاء التافهين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…