محمد النحيلي لـ«معكم 24»: تمكين الشباب يبدأ بتحويل التوجيهات الملكية إلى سياسات ملموسة وعدالة مجالية
حاورته : هيام بحراوي
في حوار من ثلاث أسئلة ، قدم محمد النحيلي، رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب و خبير وباحث في قضايا الطفولة والشباب، لموقع «معكم 24»قراءة في رهانات تنزيل التوجيهات الملكية المتعلقة بوضع الشباب في صلب السياسات العمومية، مسلطاً الضوء على تحديات الانتقال من الالتزامات المعلنة إلى إجراءات ملموسة في مجالات التعليم والتشغيل والارتقاء الاجتماعي.
ويبرز الحوار أهمية تحقيق العدالة المجالية في توزيع الفرص والموارد، وإعادة الاعتبار لدور الشباب والجمعيات التربوية والمنظمات الشبابية، باعتبارها فضاءات للتنشئة والمواطنة وتنمية القدرات، مع التأكيد على ضرورة اعتماد سياسات ترابية تستجيب للحاجيات الفعلية للشباب.
كما يناقش النحيلي سبل استعادة ثقة الشباب في المؤسسات، من خلال تعزيز مشاركتهم في صياغة السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها، والانتقال من اعتبارهم مجرد مستفيدين من البرامج إلى شركاء فعليين في صناعة القرار والمساهمة في بناء المستقبل.
وضع الخطاب الملكي الشباب في صلب الأولويات الوطنية، لكن التحدي يظل في الانتقال من الاهتمام المعلن إلى التمكين الفعلي. في تقديركم، إلى أي حد تستطيع الحكومة المرتقب تشكيلها تحويل هذه التوجيهات إلى سياسات عمومية ملموسة تستجيب لانتظارات الشباب في التشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية؟
أعتقد أن الخطاب الملكي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله حمل رسالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية، حين دعا بوضوح إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، وربط ذلك بالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص، وبناء الثقة في المؤسسات وإمكانيات الارتقاء الاجتماعي.
وما يستوقفني في هذه التوجيهات هو أنها تتجاوز المقاربة القطاعية الضيقة لقضايا الشباب، لتؤسس لرؤية متكاملة تعتبر الشباب قوة أساسية في التنمية، وشريكاً في بناء المستقبل، وتجعل من تحسين أوضاعهم مدخلاً لتعزيز العدالة الاجتماعية والاستقرار والثقة في المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة المرتقب تشكيلها خلال الأيام القليلة المقبلة يتمثل في قدرتها على تحويل هذه التوجيهات إلى اختيارات سياسية واضحة، وسياسات عمومية مندمجة، وبرامج عملية قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم، تنعكس نتائجها بصورة ملموسة على الحياة اليومية للشباب المغربي.
فالمسألة لا تتعلق بإضافة برامج جديدة إلى ما هو قائم، بقدر ما تتعلق بإعادة النظر في فلسفة تدبير السياسات الموجهة للشباب، والانتقال من منطق تعدد المبادرات وتشتت التدخلات إلى منطق الالتقائية والنجاعة والتأثير الفعلي.
وفي تقديري، لا يمكن معالجة قضايا الشباب من خلال قطاع حكومي واحد، لأن التعليم والتكوين والتشغيل والثقافة والرياضة والمشاركة المدنية تشكل منظومة مترابطة، تستدعي تنسيقاً مؤسساتياً حقيقياً ومسؤولية حكومية مشتركة، مع تحديد واضح للالتزامات والنتائج المنتظرة.
كما ينبغي أن ننتبه إلى أن تمكين الشباب لا يختزل في الإدماج الاقتصادي، رغم أهميته المركزية، وإنما يشمل توفير شروط الارتقاء الاجتماعي، وضمان الولوج المنصف إلى الخدمات الأساسية، وإتاحة فضاءات التعبير والإبداع والمشاركة في الحياة العامة.
وهنا أود التأكيد على قضية أعتبرها أساسية، وهي ضرورة إعادة الاعتبار لمؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية، وفي مقدمتها دور الشباب والجمعيات التربوية والمنظمات الشبابية. فهذه المؤسسات تؤدي أدواراً محورية في بناء الشخصية، وترسيخ قيم المواطنة، وتنمية المهارات والقدرات، وتعزيز روح المبادرة والمشاركة المدنية.
ولا يمكن أن نتصور سياسة عمومية ناجحة للشباب دون الاستثمار في هذه المؤسسات، وتأهيل بنياتها، وتطوير وظائفها، وتعزيز الشراكة مع مكونات المجتمع المدني الجادة والفاعلة.
إن قدرة الحكومة المقبلة على النجاح في هذا الورش ستظل مرتبطة بمدى استعدادها للانتقال من التدبير الإداري للبرامج إلى التدبير الاستراتيجي للنتائج، ومن قياس حجم الاعتمادات المالية والأنشطة المنجزة إلى قياس التحسن الحقيقي في مؤشرات تشغيل الشباب وتعليمهم ومشاركتهم وجودة حياتهم.
فالشباب المغربي لا ينتظر المزيد من الوعود، بقدر ما ينتظر سياسات تمنحه أسباب الثقة في المستقبل، وفرصاً حقيقية لبنائه داخل وطنه.
أكد الخطاب الملكي أهمية الانتقال إلى العمل الميداني ومعالجة الإشكالات الحقيقية لكل منطقة. كيف يمكن للحكومة المقبلة تحقيق عدالة مجالية في الفرص المتاحة للشباب، خصوصاً في المناطق القروية والمجالات التي تعاني ضعف البنيات التحتية ومحدودية فرص التكوين والتشغيل؟ وهل يتطلب ذلك مراجعة طريقة تدبير البرامج الموجهة للشباب وتوزيع مواردها؟
إن من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب الملكي التأكيد على أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو العمل الميداني على المستوى الترابي، والوقوف على المشاكل الفعلية لكل منطقة، والبحث عن حلول واقعية تستجيب لخصوصياتها وحاجيات ساكنتها.
وهذا التوجيه يكتسي أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالشباب، لأننا لا نستطيع الحديث عن تكافؤ الفرص في ظل استمرار التفاوتات المجالية في الولوج إلى التعليم والتكوين والتشغيل والخدمات الثقافية والرياضية والشبابية.
فالشاب الذي يعيش في منطقة قروية أو مجال ترابي يعاني ضعف التجهيزات الأساسية لا ينطلق بالضرورة من نفس الشروط المتاحة لشاب يعيش في مركز حضري تتوفر فيه مؤسسات التعليم والتكوين وفضاءات الثقافة والإبداع وفرص الاستثمار والتشغيل.
بل إن هذه التفاوتات قد نجدها داخل المدينة الواحدة، وأحياناً بين أحيائها ومقاطعاتها، وهو ما يؤكد أن العدالة المجالية لا ينبغي اختزالها في معالجة الفوارق بين العالمين القروي والحضري، بل يجب أن تشمل العدالة في توزيع المرافق والخدمات والفرص داخل مختلف المجالات الترابية.
ومن خلال تجربتنا في العمل الجمعوي والتربوي، نعتبر أن غياب فضاءات القرب الموجهة للشباب أو ضعف تجهيزها وتأطيرها لا يحرم الشباب من ممارسة الأنشطة التربوية والثقافية فحسب، وإنما يحد أيضاً من فرص اكتشاف قدراتهم، وتنمية مهاراتهم، وبناء علاقاتهم الاجتماعية، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة.
وهنا تبرز ضرورة إعادة الاعتبار لدور الشباب باعتبارها مرفقاً عمومياً تربوياً واجتماعياً ينبغي أن يكون حاضراً في مختلف المجالات الترابية، وليس مرفقاً يرتبط حصرياً بالمناطق الهشة أو بالأحياء ذات الوضعية الاجتماعية الصعبة. فدار الشباب فضاء للتنشئة والاندماج والتمازج الاجتماعي، وحق في الولوج إلى الثقافة والتأطير والمشاركة.
أما بخصوص تدبير البرامج وتوزيع الموارد، فأعتقد أن المرحلة المقبلة تقتضي مراجعة عميقة للمقاربات المعتمدة، بالانتقال من التوزيع الإداري أو الحسابي للاعتمادات إلى توزيع يستند إلى الحاجيات الفعلية، وحجم الخصاص، والخصوصيات الديمغرافية والاجتماعية والمجالية.
فالعدالة المجالية لا تعني بالضرورة تخصيص الموارد نفسها لجميع المناطق، بل تعني اعتماد معايير منصفة تسمح بتوجيه استثمارات أكبر نحو المجالات التي تعاني خصاصاً أشد، بما يضمن تقليص الفوارق وتحقيق تكافؤ حقيقي في الفرص.
كما أن نجاح هذه المقاربة يستدعي تمكين الجهات والجماعات الترابية من الوسائل البشرية والمالية والتدبيرية الضرورية، في انسجام مع التوجيهات الملكية المتعلقة بتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
وفي تقديري، نحن بحاجة إلى مخططات ترابية مندمجة للشباب، تُبنى على تشخيص دقيق لحاجيات كل مجال، وتُعد بشراكة مع المؤسسات المنتخبة والقطاعات الحكومية المعنية والجمعيات والمنظمات الشبابية، مع إشراك الشباب أنفسهم في تحديد الأولويات.
إن العدالة المجالية الحقيقية تبدأ عندما يصبح عنوان إقامة الشاب غير محدد لفرصه في التعليم والتكوين والإبداع والشغل والمشاركة.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة إيصال البرامج إلى الشباب إلى سياسة تقريب الفرص منهم، وضمان استفادتهم المنصفة من ثمار التنمية، أينما وجدوا داخل التراب الوطني.
في ظل التحديات المرتبطة بثقة الشباب في المؤسسات وتراجع جاذبية المشاركة السياسية لدى بعض فئاتهم، إلى أي حد يمكن أن يشكل التمكين الاقتصادي والاجتماعي مدخلاً لاستعادة هذه الثقة؟ وما الآليات التي ينبغي اعتمادها لضمان انتقال الشباب من موقع المستفيد من السياسات العمومية إلى موقع الشريك الفعلي في صياغتها وتنفيذها وتقييم نتائجها؟
أعتقد أن قضية الثقة تشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم العلاقة بين الشباب والمؤسسات، وهي علاقة لا يمكن اختزالها في مستوى المشاركة الانتخابية أو الانخراط الحزبي، بل ترتبط أيضاً بمدى إحساس الشباب بالإنصاف، وبقدرتهم على التأثير في القرارات التي تهم مستقبلهم، وبمدى استجابة المؤسسات لتطلعاتهم وانتظاراتهم.
ولذلك، فإن التمكين الاقتصادي والاجتماعي يشكل مدخلاً أساسياً لتعزيز هذه الثقة، لكنه لا يكفي وحده، لأن الثقة في المؤسسات تتأسس أيضاً على المشاركة والشفافية وتكافؤ الفرص والقدرة على التأثير والمساءلة.
فحين يشعر الشاب بأن التعليم الجيد متاح له، وأن الكفاءة والاجتهاد يفتحان أمامه آفاق الارتقاء الاجتماعي، وأن فرص التشغيل لا تخضع لمنطق الامتيازات أو العلاقات، وأن صوته مسموع داخل المؤسسات، تتعزز لديه القناعة بأن الانتماء إلى الوطن يقترن بحقوق فعلية وفرص حقيقية للمساهمة في تنميته.
لكن حين تتسع المسافة بين الخطاب المؤسساتي والواقع المعيش، تصبح استعادة الثقة أكثر تعقيداً، مهما كانت أهمية البرامج والمبادرات المعلنة.
ومن هنا، أعتبر أن أحد التحولات الأساسية التي ينبغي أن تطبع السياسات العمومية المقبلة يتمثل في الانتقال من النظر إلى الشباب باعتبارهم مستفيدين من الخدمات والبرامج إلى الاعتراف بهم شركاء في التشخيص والتخطيط واتخاذ القرار والتنفيذ والتقييم.
وهذا التحول يقتضي أولاً إرساء آليات مؤسساتية دائمة للحوار والتشاور مع الشباب، على المستويين الوطني والترابي، بما يسمح لهم بالتعبير عن أولوياتهم والمساهمة في بلورة الحلول المناسبة لقضاياهم.
كما يستدعي تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمشاركة الشبابية، وفي مقدمتها الفصل 33 من الدستور، الذي يؤكد مسؤولية السلطات العمومية في توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، إلى جانب تفعيل الإطار المؤسساتي المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.
وأود هنا التشديد على الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجمعيات التربوية والمنظمات الشبابية في إعادة بناء جسور الثقة، باعتبارها مؤسسات وسيطة بين الشباب والمجتمع والمؤسسات العمومية، وفضاءات لتعلم الديمقراطية والمواطنة والمبادرة والعمل الجماعي.
فالمشاركة لا تبدأ بالضرورة داخل الأحزاب السياسية أو المؤسسات المنتخبة، وإنما تتشكل أيضاً من خلال التجارب الأولى للشباب داخل الجمعيات ودور الشباب والمبادرات التطوعية والأنشطة الثقافية والتربوية، حيث يتعلمون التعبير عن الرأي، وتحمل المسؤولية، وتدبير الاختلاف، والمساهمة في تحقيق المصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الاعتبار لهذه الفضاءات ليست قضية قطاعية مرتبطة بالشأن الشبابي وحده، وإنما هي استثمار في بناء المواطنة وتعزيز الديمقراطية التشاركية.
كما ينبغي تطوير آليات جديدة للمشاركة، تستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع، وخاصة من خلال المنصات الرقمية، والاستشارات العمومية، والمجالس والمنتديات الشبابية الترابية، والمشاركة في إعداد البرامج المحلية وتتبع تنفيذها وتقييم آثارها.
غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بمدى تأثيرها الحقيقي في القرار العمومي، لأن الشباب لا يحتاجون إلى فضاءات إضافية للاستماع إليهم دون نتائج، بل إلى قنوات مؤسساتية تضمن أخذ مقترحاتهم بعين الاعتبار، وتقديم أجوبة واضحة بشأنها.
وفي تقديري، فإن الحكومة المقبلة مطالبة بإرساء علاقة جديدة مع الشباب، تقوم على الثقة المتبادلة والمسؤولية المشتركة، وتعتبر المشاركة الشبابية مكوناً أساسياً في الحكامة الجيدة، وليس نشاطاً موازياً للسياسات العمومية.
فلا يمكن أن نطلب من الشباب الثقة في المستقبل دون أن نوفر لهم أسباب هذه الثقة في الحاضر، كما لا يمكن أن ننتظر منهم الانخراط في الشأن العام دون أن نتيح لهم فرصاً حقيقية للتأثير في قراراته.
إن المغرب الذي نطمح إليه لا ينبغي أن يكتفي بإعداد الشباب للمستقبل، بل عليه أن يمنحهم الفرصة للمشاركة في صناعته اليوم. وهذه، في اعتقادي، هي إحدى الرسائل الجوهرية التي ينبغي أن تؤطر تعامل الحكومة المقبلة ومختلف المؤسسات مع قضايا الشباب.