شريط الأخبار

تحالف اليسار.. عودة الحلم أم محاولة لإنقاذ مشروع سياسي فقد بريقه؟

معكم 24 / تحليل

في مشهد سياسي يتسم بتراجع تأثير الأحزاب التقليدية وتنامي العزوف عن المشاركة السياسية، عاد اليسار المغربي إلى واجهة النقاش العمومي بإعلان كل من الحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي تأسيس “تحالف اليسار”، في خطوة تروم بناء جبهة سياسية موحدة وتقديم بديل ديمقراطي جديد داخل الساحة السياسية الوطنية.

التحالف الجديد، الذي تم الإعلان عنه خلال ندوة صحافية بمدينة الدار البيضاء، لم يقتصر على التنسيق التنظيمي بين حزبين متقاربين في المرجعية الفكرية، بل حمل معه مشروعاً سياسياً متكاملاً يدعو إلى إصلاحات دستورية عميقة وإقرار ملكية برلمانية وتوسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة وتعزيز الرقابة الديمقراطية على مختلف المؤسسات العمومية.

غير أن هذا الإعلان يطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز الحدث التنظيمي في حد ذاته: هل يشكل هذا التحالف بداية عودة اليسار إلى دائرة التأثير السياسي، أم أنه مجرد محاولة جديدة لمواجهة أزمة ممتدة يعيشها هذا التيار منذ عقود؟

لقد شكل اليسار المغربي أحد أبرز الفاعلين السياسيين خلال العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال، حيث ارتبط اسمه بالنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والدفاع عن الحقوق السياسية والحريات العامة. كما لعبت الأحزاب اليسارية دوراً محورياً في تأطير فئات واسعة من المجتمع، خاصة الطبقة العاملة والطلبة والمثقفين والنقابيين.

وخلال فترات معينة من التاريخ السياسي المغربي، تحول اليسار إلى قوة سياسية واجتماعية مؤثرة استطاعت فرض نفسها كفاعل رئيسي في معادلة المعارضة، بل ونجحت في قيادة ديناميات سياسية ساهمت في الدفع نحو إصلاحات مهمة شهدتها البلاد.

غير أن هذا الزخم لم يستمر بالوتيرة نفسها. فمع التحولات التي عرفها المشهد السياسي منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً بعد تجربة التناوب التوافقي، دخل اليسار المغربي مرحلة من التراجع التدريجي، اتسمت بتفكك التنظيمات، وتعدد الانشقاقات، وتراجع الحضور الانتخابي، وفقدان جزء مهم من قاعدته الاجتماعية التقليدية.

ولم يكن هذا التراجع مرتبطاً فقط بعوامل خارجية أو بتغير موازين القوى السياسية، بل ارتبط أيضاً بعوامل داخلية، من بينها تعدد المرجعيات داخل العائلة اليسارية، وصعوبة بناء مشروع موحد، وتراجع القدرة على استقطاب الأجيال الجديدة، فضلاً عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي غيرت طبيعة الفئات التي كان اليسار يمثلها تاريخياً.

وفي هذا السياق، يأتي تأسيس “تحالف اليسار” كمحاولة لإعادة ترتيب البيت اليساري وتجميع ما تبقى من قواه السياسية والتنظيمية، عبر تقديم خطاب سياسي موحد يرتكز على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية والدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.

ويراهن القائمون على هذا المشروع على استعادة الثقة في العمل السياسي وإعادة بناء جسور التواصل مع فئات واسعة من المواطنين، خاصة الشباب الذين أصبحوا أكثر بعداً عن الأحزاب التقليدية وأكثر ميلاً إلى أشكال جديدة من التعبير والمشاركة.

لكن نجاح هذا الرهان يبقى رهيناً بقدرة التحالف على تجاوز منطق التنسيق الظرفي والانتقال إلى بناء مشروع سياسي واجتماعي متكامل قادر على تقديم أجوبة واقعية عن الإشكالات التي تؤرق المغاربة، وفي مقدمتها التشغيل والتعليم والصحة والعدالة المجالية والحماية الاجتماعية.

كما أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في توحيد مكونات اليسار، بل في استعادة مكانته داخل المجتمع، وإقناع الناخبين بأنه ما زال يمتلك القدرة على التأثير وصناعة البدائل في زمن تغيرت فيه أولويات المواطنين وأشكال التعبئة السياسية.

وبين رهانات التجديد وإكراهات الواقع، يظل إعلان “تحالف اليسار” محطة سياسية تستحق المتابعة، ليس فقط لأنها تعيد طرح سؤال مستقبل اليسار المغربي، بل لأنها تعيد أيضاً فتح النقاش حول طبيعة المعارضة ودورها في بناء التوازن السياسي وتعزيز المسار الديمقراطي بالمملكة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.