الرأي - 28 يوليو 2019

الدقيقة 22

كَلَّا، هذه العبارة ليست دوما صحيحة: “الرياضة أفيون الشعوب!” دليلي أن “الإيديولوجيا المضادة” كانت حاضرة في ملاعب مصر إبان كأس الأمم الإفريقية الأخيرة لعام 2019. كانت الحناجر تتكلم خطابا مناوئا للإيديولوجيا الرسمية السائدة: “الله أكبر! أبو تريكة!” هذه الجملة التي ضمت مبتدأ وخبرا واسما علما تُخَزِّنُ رواية مناوئة للرواية الرسمية للأحداث. فالجماهير تمارس، إذن، فعلا سياسيا معارضا. إنها لا ترغب في اختزال أيقونة رياضية إنسانية في رواية رسمية، إِذِ ارتأت السلطة القضائية المصرية تجميد أموال أسطورة، ثم أن تلغي الحكم بعدئذ! فهل المقصود بذلك الكابتن أبو تريكة أَمِ المبتغى رسالة تحذيرية لنجوم مصر جميعا: أَلاَّ تغرنكمُ النجومية ما دمتم لم تعلنوا ولاءكم التام للقيادة السياسية؟ لقد نعى الكابتن أبو تريكة الرئيس المصري المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي، كما سانده إبان حملته الإنتخابية الرئاسية عام 2012! الجواب الآن أن أبو تريكة منفي في قطر لم يكن بمقدوره حضور جنازة والده، عام 2017، خشية الإعتقال!

كانت السياسة حاضرة بقوة في الدقيقة 22 وغيرها من دقائق الدورة: أفعال مارستها الجماهير العربية الشغوفة فكان تأويلها تأويلا سياسيا محضا. لقد زار المعلق الجزائري الشهير حفيظ دراجي بيت عائلة أبوتريكة بقرية ناهيا بمحافظة الجيزة، فَأُوِّلَ الفعل تأويلا سياسيا بخسا. فما ذنب حاجة عجوز، إذِ اسم ابنها أبو تريكة؟ أثمة تأثير لها في التوجهات السياسية لابنها؟ وما ذنب دراجي، إذ لبى دعوة الحاجة للغذاء ببيت العائلة؟ أليس دراجي زميل ابنها؟ أإرهابي هو من يشتغل بقناة قطرية؟ دراجي جزائري لن ينسى الفعل “الدبلوماسي” الحكيم لأبو تريكة، حين سفره إلى الجزائر عقب الأحداث الأليمة لمباراة أم درمان عام 2009. لقد كشف أبو تريكة عن الوجه الحضاري الصافي لمصر. وقد قرأت أن مشجعين جزائريين آخرين حذوا حذو دراجي. فكيف يمكن إخماد جذوة الحب المشتعلة في القلوب للاعب مصري خلوق لم ينل بطاقة حمراء في حياته؟ ثم كيف تمحص إن كان هتافي باسم لاعب احتفاء بنجوميته الكروية أم هتافا سياسيا؟ هل غدت الدقيقة 22 دقيقة إرهابية؟


يحتفظ كثيرون بالصور المشرقة للرجل. فهذا اللاعب خريج قسم التاريخ بجامعة القاهرة، أي أنه ذو تكوين أكاديمي قد يساعده في تكوين رأي سياسي سليم. لقد عبر عن مواقف إنسانية (سياسية) فوق رقعة الملعب وخارجه. فتضامنا مع محنة الشعب الفلسطيني بغزة، غير آبه بإيقاف من الفيفا في كأس الأمم الإفريقية بغانا عام 2008، كشف قميصا ثانيا بعبارتين بالعربية والإنجليزية : “إني أتعاطف وغزة”، كما أظهر قميصا في العام ذاته بعبارة “فداك يا رسول الله”، حين إعادة نشر الرسوم الدنماركية المسيئة. وللكابتن مساهمات خيرية معتبرة بمصر وخارجها، دون انضمامه إلى أي حزب سياسي أو تيار ديني.
لكن الحسابات السياسية تكون أحيانا ضيقة. فدعمه للرئيس الراحل الدكتور مرسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2012 وكونه مساهما أساسيا في شركة “أصحاب تورز للسياحة” التي أسست عام 2013 واشتغل بها عضو جماعة الإخوان المسلمين أنس محمد عمر القاضي المسجون من قبل السطات المصرية جعل السلطات المصرية تضعه في قوائم الإرهابيين. فهل كان لعالم المال والأعمال لون سياسي حين تأسيس الشركة؟ ألم تكن الفترة، زمنئذ، آنئذ فترة انفتاح سياسي على كل التيارات السياسية للمجتمع المصري فكان فعله، آنئذ، فعلا قانونيا فلما جاء الإنقلاب العسكري أحدث انقلابا مفاهيميا فغدا الفعل القانوني إرهابيا؟ هل ثمة تصريحات أو مكالمات مرصودة تفضح دعمه فعلا إرهابيا؟ لِمَ لَمْ تشفع له ألقابه المفرحة للشعب المصري لدى النظام المصري؟
ألا تبدو السياسة فعلا بئيسا؟ فعقب فوز المنتخب الجزائري بالكأس كان بعض لاعبيه يرددون “فلسطين الشهداء” كما لم يقم اللاعب الجزائري رياض محرز بمصافحة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مراسيم تسليم الكأس. وقد أول فعل اللاعب سياسيا. فهل نقول إن الجماهير الرياضية تمارس السياسة بحسب قناعاتها كما تمارسها الأنظمة القائمة: أي أن الأفيون المفترض لم يعد فعالا في تنويم الشعوب؟ فقد رأينا كيف تخلق الرياضة أحداثا مؤسفة بين الشعوب العربية بسبب السياسة. ألم يجيش هذه الجماهير غير الإعلام الرسمي؟ هل نحاكم 99 مليون مصري بجريرة القلة؟


فلا غرو أن يَعْجَبَ مغاربة من صنيع مصريين تلقاء مواطن مغربي ادعى تيهانه بمصر دون أوراق رسمية أو مأكل ليومين. لقد تفاجأ مشاهدو الفيديو من دعوة المصريين له إلى بيوتهم أو مدهم إياه بالمال أو إقدامهم على إطعامه. تفاجؤوا لأن ما تختزنه ذاكرتهم من أحداث كروية مؤسفة غشتِ الحقيقة. كما قال البعض إنهم صدموا من موقف الجمهور الجزائري تجاه المنتخب المغربي. وأصل المشكلة هو الخلط بين السياسة الرسمية والشعب الجزائري. فقد تخطى بعض الجزائريين الحدود المغربية فرحا بإنجاز المنتخب الجزائري كما فرح المغاربة بفوز المنتخب الجزائري.


إن السياسة تغشى الرياضة مثلما تغشى الرياضة السياسة. فالانتصار الرياضي يستثمره السياسي ماديا أو رمزيا. فالنجوم يحتاجهم السياسي ليكونوا قادة رأي لسياساته، لكن المشكلة أن الرأسمال الرمزي للرياضي قد يستغل بطريقة بئيسة. فإذا كان هو يستثمر موهبته لأجل مجد الوطن، فإن السياسي يبغيها وقودا لحملة انتخابية قادمة. وهنا تداخل بين السياسي والرياضي أو الإنساني والرياضي. فحتى الإنساني يؤول سياسيا، مثل قميصي أبو تريكة. فهل يوجد فعلا حد فاصل بين الرياضي والسياسي؟ هل نحرق القميص 22 لأن أبوتريكة ارتداه قبلا؟ ألم نسقط منذ البداية عبارة: “الرياضة أفيون الشعوب”؟

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اشكرك كثيرا على تناولك لهدا الموضوع
    نسمع كثيرا ان هده الرياضة أي كرة القدم قد اعطتها الأنظمة السياسية اهتماما كبيرا لتخدير عقول الشباب و الانكباب عليها و عدم الاهتمام بالسياسة و الأمور المهمة التي تسبب الاحراج للمسؤولين لكن الدي حصل هو ان السحر انقلب على الساحر حيت أصبحت الملاعب منبرا للتعبير عن الآراء و الانشغالات للشعب و خصوصا الطبقة الكادحة التي ليس لها منبر لتدليك برأيها و تتقاسمه مع أصحاب القرار
    و اكبر مثال على هدا في وطننا الحبيب هي شعارات الفريق العريق الرجاء البيضاوي من خلال أغانيه : في بلادي ظلموني او الحبيبة فلسطين
    و كدا حين رفع تيفوات و شعارات خلال مباريات مع الشقيقة الجزائر خلال مباراة المغرب مضمونها فتح الحدود و ياك حنا خاوة
    بعد أن كان جمهور الرجاء يوصف بالوحشية و الهمجية و جمهور الرعاء، أظهر اليوم للجميع عن وعي تام بما يدور حوله سواء في الساحة الوطنية او الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…