أسواق الأضاحي بسوس تحت المجهر.. بين لهيب الأسعار وارتباك العرض: هل ينجو المواطن من عيد بلا “صدمة كبش”؟”
متابعة: رضوان الصاوي
مع اقتراب موسم عيد الأضحى، تدخل أسواق الماشية بجهة سوس ماسة، خاصة بأكادير وأيت ملول وإنزكان وأولاد داحو وبيوكرى، مرحلة “الاختبار الحقيقي” لقياس نبض السوق، وسط حالة ترقب واسعة من طرف المواطنين الذين باتوا يتابعون تحركات الأسعار والعرض بقلق متزايد، في ظل وضع اقتصادي يضغط على القدرة الشرائية، وأسئلة متصاعدة حول مدى انعكاس الدعم والإجراءات الحكومية على أثمنة الأضاحي داخل الأسواق المحلية.
وفي قراءة ميدانية شاملة لواقع أسواق الأضاحي بهذه المناطق، يظهر بوضوح أن المشهد لا يخلو من مفارقات؛ فمن جهة هناك وفرة نسبية في العرض مقارنة بسنوات سابقة، بفعل تحسن الوضعية الفلاحية نسبياً وانتعاش المراعي بعد التساقطات المطرية، ومن جهة ثانية لا تزال الأسعار تُشكل هاجساً يومياً للأسر، التي تنتظر اقتراب العيد أملاً في تسجيل انخفاضات قد تجعل حلم اقتناء الأضحية أقل كلفة.
في سوق أكادير، الذي يُعد من أكبر الفضاءات التجارية الخاصة بالماشية بالمنطقة، تبدو الحركة التجارية متوسطة إلى حدود الساعة، مع تسجيل حضور لافت للكسابة والوسطاء، فيما يطغى على المشترين سلوك “المعاينة دون الحسم”، حيث يفضل كثيرون تأجيل قرار الشراء ترقباً لتحولات الأيام الأخيرة. وتبقى الأسعار متفاوتة حسب السلالة والوزن والجودة، غير أن الانطباع العام داخل السوق يؤكد أن هامش التفاوض ما يزال قائماً، خاصة مع تنامي المنافسة بين الباعة.
أما بأيت ملول، فإن السوق يشهد دينامية مختلفة نسبياً بحكم موقع المدينة كحلقة وصل تجارية مهمة بين العالم القروي والمراكز الحضرية، ما يجعلها تستقطب أعداداً مهمة من الكسابة والتجار القادمين من مناطق متعددة. غير أن الملاحظة الأبرز هي استمرار هيمنة الوسطاء على جزء من حركة البيع، وهو ما يثير تساؤلات متجددة حول دور “الشناقة” في تضخيم الأسعار وإضعاف فرص المواطن البسيط في اقتناء أضحية بثمن مناسب.
وفي أولاد داحو، التي تُعتبر من أبرز النقاط التقليدية لتجارة المواشي بالإقليم، يلاحظ متتبعون أن السوق يعيش نوعاً من الانتعاش التدريجي، مع توافد متزايد للماشية القادمة من الضيعات والمناطق المجاورة. لكن رغم وفرة العرض، فإن التردد يظل سيد الموقف لدى المشترين، بسبب التخوف من استمرار الأسعار في مستويات يعتبرها كثيرون “مرتفعة قياساً بالقدرة الشرائية”.
أما سوق إنزكان، المعروف بحركيته التجارية الكبيرة، فيبدو أكثر حذراً هذا الموسم، إذ يلاحظ أن الإقبال لم يبلغ بعد مستوياته المعتادة، في وقت يراهن فيه بعض التجار على الأيام الأخيرة لتحقيق مبيعات أكبر، بينما يعتقد مواطنون أن الانتظار قد يكون ورقة رابحة لفرض نوع من التوازن السعري، خاصة إذا ارتفع منسوب العرض بشكل أكبر.
وفي بيوكرى، تتداخل المؤشرات الاقتصادية مع الطابع القروي للمنطقة، حيث يعتمد جزء مهم من المواطنين على العلاقات المباشرة مع الكسابة المحليين، ما يمنح هامشاً أفضل للتفاوض مقارنة ببعض الأسواق الكبرى. غير أن ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية ما يزال يُستخدم من طرف المهنيين كمبرر رئيسي للحفاظ على أسعار مرتفعة نسبياً.
وبشكل عام، تكشف القراءة الشاملة لأسواق الأضاحي بجهة سوس ماسة أن المعركة الحقيقية هذا الموسم ليست فقط بين العرض والطلب، بل أيضاً بين آمال المواطنين في أسعار معقولة ومنطق السوق الذي تحكمه كلفة الإنتاج والوساطة والمضاربة. كما أن النقاش العمومي حول الدعم الموجه لقطاع الماشية عاد بقوة إلى الواجهة، مع تزايد الأصوات التي تتساءل عن مدى استفادة المستهلك النهائي من تلك التدخلات، بدل بقائها حبيسة حلقات الإنتاج والتوزيع.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبقى الأيام القليلة المقبلة حاسمة في رسم الملامح النهائية لسوق الأضاحي بسوس، بين احتمال تراجع نسبي للأسعار بفعل وفرة العرض، أو استمرارها عند مستويات قد تجعل كثيراً من الأسر تعيش عيداً بطعم القلق أكثر من الفرحة.