أخبار الساعة - الرأي - 5 مايو 2019

السيدة

لا غرو أن يكون التدمير مؤلما. مؤلمٌ احتراق الذاكرة، احتراق الأشياء الجميلة في حياتنا. إِنَّا نَذَّكَرُ قصصا تاريخية أمام تلامذتنا، نَجْهَدُ لتبليغهم إياها بكل ما أوتينا من قوة، لَكِنَّا ندرك أن الأثر التاريخي الواحد، إن شوهد في زيارة، قادر على تعويض آلاف الكلمات، مثلما خلدت لوحة غيرنيكا أحداث الحرب الأهلية في إسبانيا برهافة فنية مذهلة. لذلك فخسارة الأثر التاريخي الواحد خطب كبير للإنسانية الرقيقة. أوليس خطب كاتدرائية نوتردام فداحة قاتلة؟

لقد عمرت الكاتدرائية 856 سنة. إنها تحفة تاريخية عريقة. سميت نوتردام، أي سيدتنا، احتفاء بالقديسة مريم العذراء. كان اقتراح تشييدها من لدن الأسقف موريس دو سولي، في عهد الملك لويس السابع، إِذِ انتخب أسقفا لباريس عام 1160. أسلوبها الهندسي أسلوب قوطي فرنسي، لكن النيران شاءت تدميرها يوم 15  أبريل 2019. فكانت النكبة.

هي تخبئ داخلها جزءا من التاريخ الفرنسي، بل العالمي. فداخل أروقتها كرس الأب بي السابع، سنة 1804، نابليون الأول إمبراطورا لفرنسا، كما تجمع بداخلها لأجل الصلاة، بعد موت البابا يوحنا بولس الثاني عام 2005، آلاف الأشخاص وبغية انتظار تعيين خلفه: بنديكت السادس عشر. لقد تبرع كثيرون بأموالهم ابتغاء إنقاذها. إنها مساندة تاريخية بلا نظير في الضفة الأخرى. فقد دُمرَت خيرات ثقافية عظيمة بالشرق الأوسط ولم تنل مثل هذا الدفق الإنساني.

كان متوقعا ذلك. ووجه القياس هو مجزرة نيوزلندة. فالوجوه التي حضرت الجنازة ليست الوجوه ذاتها التي حضرت مجزرة شارلي إيبدو. فالمفترض أن تعدل حياة إنسانية حياة إنسانية أخرى، بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الخلفية الثقافية. فلا قيمة لحياة الأوربي إن لم تعدل حياة غير الأوربي. هذا ما يجب أن تكونه الأشياء افتراضا، إذ يجب أن يعتصر الألم قلوبنا جميعا إن عصفت الطعنة الإرهابية بأحدهما وأن نخلد ذكرى الوفاتين بالقوة ذاتها التي نخلد بها وفاة أحدهما.

لا جرم أن القياس ينسحب على حادثة نوتردام. فالحادثة ليست عملا إرهابيا، لكن العالم تألم لاحتراق جوهرة تاريخية. إِنَّا جميعا نبتئس لأن تفقد الإنسانية إبداعاتها الحضارية، لكن المنطق يقتضي أن نكون متسقين في تفكيرنا. فكم عدد الجواهر التاريخية التي فقدناها في السنوات الخالية بالشرق الأوسط ولم نر الشحنة ذاتها من التعاطف القوي والألم الطافح؟ هل يجب أن يكون الأثر المفقود أوربيا كيما يكون التعاطف قويا؟ أقول ذلك متألما من النكبات الحضارية التي عصفت بعالمنا العربي والإسلامي.

فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، نُهِبَتْ قطع أثرية من المتحف العراقي ببغداد. وباسم نسف الأوثان، قام الداعشيون، عام 2015، بتدمير نفائس متحف الموصل. وعلى يدهم كانت نكبة مدينة نمرود الأشورية عام 2014 ومدينة تدمر الأثرية السورية عام 2015. إنها الحرب الحضارية: حرب ثقافية على التاريخ المتجذر لأمتين عريقتين. فنسف الذاكرة التاريخية لمجتمع يُسَهِّلُ تذويبه في بوتقة الحضارة الغازية. أما ترك النصب التاريخية شاخصة فيجعل المنتسب يعتز بحضارته، يتمنع أمام ابتلاع شخصيته. حسبه أن يقول: “أنا عراقي،” “أنا سوري” لتشتعل داخله أيقونات حضارته. فقولة “أنا” توكيد لوجود ذات حضارية تاريخية مكنونة في كتب التاريخ والأساطير الجماعية. هي الذات نفسها التي تشعر الأنا المتكلم بالمغايرة، كما تحفزه على انتهاج روح التحدي. فقولة “أنا” دليل على وجود هوية، على ترسخ انتماء، على حضور إواليات دفاعية مضادة للعولمة الثقافية. لا ريب أن العولمة الثقافية ثقب بَالِعٌ. فهي طاغية عصرنا، جارفة للهويات المحلية، حيث لا حدود ولا سدود.

كان سهلا أن يقول البعض إبان الحادثة المذكورة “أنا شارلي إيبدو”. وتمنيت أن تنتشر بغزارة أيضا عبارة: “أنا كرايستشورش”، “أنا بابلي”، “أنا أشوري”، “أنا تدمري”. كان ترديد كثيرين لعبارة “أنا شارلي إيبدو” دعما للجريدة خلال محنتها الإرهابية ولم يَكُ دليلا على تبنيهم خطها التحريري. فالحدث القاسي جعل التضامن يعلو على التفاصيل، كما أن عولمة العبارة أزاحت التدقيق في مضامينها.

لقد صور الإعلام العالمي فظاعة إقدام طالبان على تدمير تمثالي بوذا بباميا في أفغانستان عام 2001. كان التركيز مهولا على عمل ذميم. فهل اهتمت وسائل الإعلام الإعلامية بهذه السردية الخبرية لكون الفاعل مسلما، ذا ذوق فني سيء، غير قادر على تذوق الفن والجمال أم خوفا على حضارة عريقة؟ كنا ننتظر أن تظهر وسائل الإعلام العالمية الحمية ذاتها، حين تعرض المتاحف العراقية للنهب والسلب إبان غزو القوات الأمريكية للعراق عام 2003. فذاك ما كان سيبين ارتباط فعل طالبان بأسلوب تفكيري جامد لا علاقة له بالإسلام. فالبلاد التي دمروا التماثيل داخلها سبقهم إليها المسلمون الأوائل ولم يأتوا صنيعهم.

يتساءل كثيرون: هل هُدِمَ مسجد كيريا الصيني، الذي يبلغ عمره 782 سنة، بمقاطعة شينجيانغ الويغورية؟ يتساءلون: هل هدمت التحفة؟ فالصين تجرف الثقافة الإسلامية بالصين تجريفا ابتغاء “إعادة تربية” الأقلية الإسلامية. إنني من المعجبين بالحضارة الصينية مذ صغري وأستغرب عدم قدرة الثقافة الصينية على استيعاب المختلف ثقافيا. فهل كون الشخص مسلما خطر على هذه الثقافة؟ يكون مقبولا أن نرى تشييد المساجد طبق المعمار الصيني وأن نرى المسلمين الصينيين مندمجين في وطنهم الصين يسهمون في بنائه لبنةً لبنة، لا يتلقون أموالا خارجية، لكن تدمير مساجدهم وتراثهم المادي أمر محزن. فالنظام السياسي انفتح على التجربة الرأسمالية. أليس من فعل ذاك بقادر أن يعلمنا روح الاختلاف؟ إنني أتألم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…