الرأي - 6 سبتمبر 2020

22=2+2

صفعت الأمُّ الغاضبةُ السيدةَ ويلز. حضرت، يوم الثلاثاء، بمعية زوجها، احتجاجا على الطريقة البيداغوجية التي عاملت بها أستاذة الرياضيات ابنهما داني. فأمس، امتحنت الأستاذة ويلز ابنهما، التلميذ بمدرسة ابتدائية، في المادة فاجترح “خطأ”. طَمَّنَتْهُ أنه في المدرسة للتعلم واقتراف الخطأ وأن مشكلته في الجمع عادية. فأخذت ملوِّنَيْن في يد وآخرين في يسراها وسألته عن حاصلهما: “22!” قال داني. الإجابة ذاتها كتبها في جمعه 2+2. “هراء!” قال داني لما أوضحت له أن الأرقام لا توضع جنبا إلى جنب في الإضافة، فنحى غاضبا حاملة الأقلام الموجودة فوق مكتبها. “من أنتِ لتقولي إن إجابتك صحيحة وإجابته خاطئة؟” خاطبها الأب” إن داني مفكر حر!” ولما أخبرتِ الأم أنها أيضا لا تجيد جمع 2+2، كان نصيبها صفعة!


طلب منها المدير الاعتذار. “كيف أعتذر وأمه صفعتني؟” قالت ويلز. “ليس من مهمتنا إخبار التلاميذ متى يكونون خاطئين أو صائبين؟” أجابها المدير. صوبت خطأ المدير كذلك لما جعل حاصل القسمة على صفر صفرا، إذ أراد أن يشرح لها بلغة رياضية أنها لا تحترم تلامذتها! “إذن، أنا غبي!” استوضحها المدير.
احتج الأولياء في الغد صائحين: “التلامذة يحصون والأساتذة يشتتون،” بل تعقبوا الأستاذة ويلز حتى قاعة اجتماع الهيئة الإدارية. “توقفي عن تقويض ثقة أطفالنا بأنفسهم؟” صرخت أم. ” لِمَ تدرِّسين إن كنت تكرهين الأطفال؟” صاحت أخرى. عرفت من الهيئة أن دعوى بانتظارها أمام المحكمة. وقال لها عضو من الهيئة إنه كان عليها الإلماع إلى إمكانية وجود “أجوبة صحيحة متعددة”، إذ قررت الهيئة تعليق خدماتها بدعوى “أفكارها المتطرفة”. هاجمت وسائل الإعلام بشدة ويلز ووصفت القضية ب”الرياضياتغيت”. وصفها متحدث في برنامج حواري ب”النخبوية الليبيرالية”. أما محاورة أخرى، فاستنكرت مكوث الأطفال في مستواهم، حين تدريسها لهم، عاما واحدا فقط (أي نجاحهم!أبلغها المدير، بعد الضجة الاعلامية، أنها سُرِّحَتْ فأخبرها، أمام الصحافة، أن مشكلتها كونها غير منفتحة. “فماذا عن النزاهة الأكاديمية؟” استوضحته متعجبة. قال إن المؤسسة ستسدد لها 2000 دولار أجرا، بالإضافة الى 2000 دولار أخرى. “أي 4000 دولار،” قال المدير، “بل22000 دولار!” قالت ويلز مصوبة منتشية.
إن القصة المذكورة أعلاه هي التي سردها بشكل شيق فيلم “الرياضيات البديلة” ALTERNATIVE MATH للمخرج ديفيد مادوكس. وهي تبرز الهجمة الشرسة التي تعرضت لها أستاذة نزيهة تدرس، باقتدار، مادة الرياضيات. مادة من المفترض أنها لغة مشتركة بين أهل الأرض جميعا. ومع ذلك، فإن أساسيات المادة تعرضت لهجوم من طرف محيط الأستاذة. فحتى محراب العلم، أي المدرسة، تعرضت فيه المادة للتحريف والتدليس. وهذا موقف صعب على أي إنسان عاقل تنفس هوائه. وقد قاومت ويلز، حتى آخر لحظة، سلطان المال والجهالة. واستطاعت أن تبرهن، في الأخير، على قوة العلم أمام السفاهة.
يبرز الفيلم تشوه السلم القيمي داخل المجتمع. وأخطر بؤرة يمكن أن يصيبها التشوه هي المدرسة. فالمدرسة مصنع الأجيال المؤمنة بالقيم النبيلة. وإذا امتد التسفيه لمشاريعها التربوية، فهذه أمارة منذرة بسوء النشء القادم. فجدية الأستاذة سميت تطرفا وعنادا. وإفلاحها في تمكين التلاميذ من المادة اعتُبر فشلا. فالبديهيات الرياضية التي تتشبت بصحتها تتعرض للتشكيك. وهنا يبرز الدور الرسالي للأستاذ داخل المجتمع. فهو هنا مغموز محقَّر مَهين حتى أن متظاهرة رفعت محتجة لافتة برسم داعر. ومع ذلك، وبفضل العلم الذي تكنه ويلز في صدرها، انتصرت.


ولو أردنا أن نفكك شفرات الفيلم لوجدنا خَبْئاً من الرسائل المشفرة. فنحن، الآن، نعيش زمن تشويه الحقائق البينة بذاتها. لنأخذ قضية فلسطين. هذه القضية تشبه قضية الميز العنصري بجنوب إفريقيا. قضية إنسانية عادلة لشعب احتلت أرضه من قبل غزاة تجمعهم آصرة واحدة هي الإيديولوجية الصهيونية. فاحتلوا أرضا ليست أرضهم ولا موطنهم. وإذا كان المناضل الفذ نيلسون مانديلا صمد أمام البهتان وعاضده المجتمع الدولي في سعيه التحرري، فإن القضية الفلسطينية شهدت خذلانا أفسد خط القضية. وبسبب اختراق الكيان الصهيوني للمجتمعات العربية صرنا نشهد تبدل بديهيات القضية. فمن يُطَبِّع من العرب مع صهاينة غاصبين يسمى بطلا شجاعا ومن يتمسك بالمنطق الأصلي للقضية يُضْحِي متطرفا متزمتا إرهابيا. وكل من قرأ تاريخ القضية يدركِ الظلم الذي لحق القضية.
وإذا كان العلم هو الذي انتصر في نهاية الفيلم وهو الذي يظهر انتصاره هذه الأيام في عز البحث المستعر عن لقاح لكوفيد، فإن ما لوحظ، منذ مدة، من تقوية لتيار التجهيل والتسفيه داخل المجتمع يظهر الانقلاب القيمي الذي قد يشهده أي مجتمع. فعوض أن نفخر بعلمائنا ونعتز بأمثال منصف السلاوي والمهدي المنجرة وسارة بلالي ونجومنا الحقيقيين، انتصر فريق منا لسفهائنا في وسائل التواصل الاجتماعي دون التفات لأزمة النموذج لدى الجيل الصاعد. فنحن التفتنا في زمن كورونا إلى العلماء الحقيقيين مثلما تفعل أي أمة تنمي أبناءها ولم نكترث بالزبد الذي يشكله سفهاؤنا وتافهونا. فعلماؤنا كنزنا.


تبلغ مدة الفيلم الذي سردتُ معظم لحظاته تسع دقائق. ولا أظن لغتي قاربت جماليته. كما أني ذكرت بعض رسائله فقط. فقضية حرية التعبير المطلقة تحتاج وقفة، مثلا. فهل يجب أن نقيدها أم نطلقها؟ فباسم حرية التعبير شكك البعض في الحقائق البينة. سفهوا نجوم المجتمع الحقيقيين، بناة الأمم وثرواتها، مثل الأساتذة. جعلونا نشكك في مبادئنا ومعتقداتنا. وكما بدا جليا في الفيلم، فإن الغلبة كانت للنور. نورٍ كاسحٍ مديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…