شريط الأخبار

مراقبة الأسواق بين حماية المستهلك وتدبير المزاج الانتخابي: لماذا يتحرك والي جهة سوس ماسة الآن؟

متابعة: رضوان الصاوي

لا يمكن قراءة التحرك الذي باشرته ولاية جهة سوس ماسة لتشديد المراقبة على الأسواق مع اقتراب شهر رمضان، بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، حيث تتقاطع هشاشة القدرة الشرائية مع احتقان اجتماعي صامت، واستعداد مبكر – ولو غير معلن – لمرحلة سياسية وانتخابية قادمة. فالسوق، في نهاية المطاف، لم يعد مجرد فضاء اقتصادي، بل تحول إلى مرآة تعكس منسوب الثقة بين المواطن والدولة.

من هذا المنطلق، يبدو بلاغ والي الجهة عامل عمالة أكادير إداوتنان أبعد من إجراء إداري موسمي، وأقرب إلى رسالة سياسية متعددة الاتجاهات. رسالة أولى موجهة إلى المواطنين، مفادها أن السلطة الترابية تعي حساسية المرحلة، وتدرك أن انفلات الأسعار خلال شهر رمضان قد يتحول من تذمر فردي إلى غضب جماعي يصعب احتواؤه. ورسالة ثانية إلى الفاعلين الاقتصاديين، بأن منطق “رمضان فرصة للربح السريع” لم يعد مقبولاً، وأن الدولة عازمة على إعادة ضبط قواعد اللعب.

الرهان الاجتماعي هنا واضح: تخفيف الضغط عن الفئات الهشة والمتوسطة التي لم تعد تحتمل موجات متتالية من الغلاء، خصوصاً في المواد الأساسية. غير أن الرهان السياسي لا يقل أهمية، ذلك أن أي اختلال في الأسواق خلال هذه المرحلة يُحسب مباشرة على عجز السلطة في حماية المواطنين، ويُستثمر سياسياً من طرف الفاعلين الحزبيين، سواء في خطاب المعارضة أو في تبرير الفشل الحكومي.

في هذا السياق، يكتسب تفعيل المصلحة الاقتصادية والاجتماعية بالولاية دلالة خاصة، باعتبارها واجهة الدولة في تدبير الشكايات وربط المواطن بالإدارة. فتح خط التبليغ 5757، واستحضار الترسانة القانونية المنظمة للأسعار والمنافسة وحماية المستهلك، يعكس وعياً بأن الشرعية اليوم لا تُبنى فقط عبر الخطاب، بل عبر آليات عملية تمكّن المواطن من الإحساس بأن صوته مسموع وأن شكاياته قابلة للترجمة إلى تدخل ميداني.

أما الجولات التي ستقوم بها اللجان المختلطة، فهي تمثل اختباراً حقيقياً لما إذا كانت السلطة ستنجح في تجاوز منطق “الضبط الظرفي” المرتبط بالمواسم الدينية، إلى منطق استدامة المراقبة. فالتجربة أثبتت أن أي تراخٍ بعد انقضاء رمضان يعيد السوق إلى نقطة الصفر، ويُفرغ هذه الحملات من بعدها الإصلاحي، ويحوّلها إلى مجرد إجراءات تجميلية ذات خلفية سياسية.

سياسياً، يدرك صناع القرار أن الأسواق المنفلتة تُنتج خطاباً انتخابياً غاضباً، وأن ارتفاع الأسعار أصبح أحد أهم محددات التصويت والاصطفاف السياسي. لذلك، فإن التحكم في الأسعار وضبط مسالك التوزيع لم يعد شأناً تقنياً محضاً، بل أداة من أدوات تدبير الاستقرار الاجتماعي، وتقليص الهوة المتزايدة بين المواطن والمؤسسات.

الخلاصة أن ما يجري اليوم بجهة سوس ماسة يعكس محاولة واضحة لإعادة تموقع السلطة الترابية كفاعل ضامن للتوازن الاجتماعي، في زمن تتآكل فيه الثقة وتتعاظم فيه الانتظارات. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد البلاغات أو الجولات، بل في القدرة على تحويل هذه المراقبة إلى ممارسة دائمة، غير انتقائية، وغير خاضعة للحسابات الموسمية أو الانتخابية الضيقة. فإما أن تنجح السلطة في كسب معركة السوق، أو تتركها مفتوحة على كل الاحتمالات السياسية والاجتماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.