شريط الأخبار

العدالة والتنمية بين استعادة المبادرة السياسية ورفع السقف الأخلاقي داخليا وخارجيا

متابعة: رضوان الصاوي

في لحظة سياسية مشحونة داخلياً وإقليمياً، خرجت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ببلاغ ثقيل الدلالات، عقب اجتماعها العادي المنعقد يوم السبت 7 فبراير 2026، برئاسة الأمين العام عبد الإله ابن كيران، واضعةً نفسها في قلب القضايا الساخنة التي تشغل الرأي العام الوطني والدولي، من الصحراء المغربية إلى غزة، ومن فيضانات الشمال إلى معركة استقلالية مهنة المحاماة، مروراً بملفات الأخلاق السياسية والعدالة.

البلاغ، الذي جاء بنبرة قوية ومركّبة، لم يكتفِ بتسجيل المواقف، بل سعى إلى إعادة تموقع الحزب كفاعل سياسي وأخلاقي، يربط الوطني بالإنساني، والسياسي بالقيمي، والمؤسساتي بالحقوقي.

على مستوى قضية الصحراء المغربية، عبّرت الأمانة العامة عن تنويه واضح بالموقف الجديد للاتحاد الأوروبي، الذي اعتبر الحكم الذاتي “أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق”، معتبرةً هذا التحول تتويجاً لمسار دبلوماسي تقوده المؤسسة الملكية بثبات، وانعكاساً لمصداقية المغرب ومكانته الاستراتيجية. الحزب قرأ هذا التطور باعتباره خطوة إضافية في اتجاه الطي النهائي لنزاع مفتعل، ورسالة سياسية قوية لخصوم الوحدة الترابية.

أما في الملف الفلسطيني، فقد عاد الخطاب إلى لغته الأكثر حدة، حيث جدد الحزب تضامنه “المطلق واللامشروط” مع الشعب الفلسطيني، خاصة في غزة، في ظل ما وصفه بحرب إبادة جماعية يواصلها الكيان الصهيوني، وسط صمت دولي مريب وتخاذل عربي وإسلامي. البلاغ حمّل المنتظم الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية مباشرة عن استمرار المأساة، محذراً من عواقب التطبيع مع الجريمة حين تتحول إلى “وضع طبيعي”.

داخلياً، توقّف البلاغ عند الفيضانات والسيول التي ضربت عدداً من المناطق، خصوصاً بجهة طنجة تطوان الحسيمة والعرائش والقصر الكبير، مسجلاً إشادة صريحة بالمجهودات الميدانية للسلطات العمومية والقوات النظامية، ومثمناً التفاعل الإيجابي للمواطنين وروح التضامن الشعبي. غير أن الأمانة العامة لم تكتفِ بلغة التنويه، بل دعت إلى استجابة مستدامة تشمل تعويض المتضررين، مع تركيز خاص على الفلاحين ومربي الماشية، باعتبارهم الحلقة الأضعف في هذه الكوارث المتكررة.

وفي واحدة من أكثر فقرات البلاغ حساسية، وجّه الحزب نداءً استعجالياً للحكومة ووزارة العدل وهيئات المحامين، داعياً إلى تغليب منطق الحوار لإنهاء حالة التوقف الشامل عن العمل، محذراً من المساس بحقوق المتقاضين واستمرارية مرفق العدالة. الأمانة العامة جددت موقفها الرافض لأي تشريع يمس استقلالية مهنة المحاماة أو حصانة الدفاع، معتبرة أن مشروع القانون 66.23، بصيغته الحالية، يطرح أسئلة دستورية عميقة تمس جوهر المحاكمة العادلة.

البلاغ ذهب أبعد من القضايا الوطنية المباشرة، ليدق ناقوس الخطر بشأن الأزمة الأخلاقية العالمية، مستحضراً فضائح “ملف إبستين” وما تكشفه من تداخل خطير بين المال والسلطة والابتزاز السياسي. الأمانة العامة حذّرت من توظيف الانحراف الأخلاقي كأداة للهيمنة والتحكم في القرار العمومي، معتبرة أن ما يجري في غزة ليس معزولاً عن هذا الانهيار القيمي. وفي هذا السياق، دعا الحزب إلى استلهام نموذج أخلاقي إنساني، يؤسس للعدل وصون الكرامة، ويحصّن الديمقراطية من السقوط في منطق القوة والابتزاز.

قضائياً، أعلن الحزب تضامنه الكامل مع محمد العربي بلقايد، العمدة السابق لمراكش وعضو المجلس الوطني، على خلفية الحكم الصادر في قضيته المرتبطة بتنظيم “كوب 22”. ورغم تأكيده احترام المساطر القضائية وانتظار حيثيات الحكم، عبّر الحزب عن ثقته في براءة بلقايد، مستحضراً مساره السياسي ونزاهته وإسهامه في إنجاح أحد أكبر المؤتمرات الدولية التي احتضنها المغرب.

وختم البلاغ بدعوة تنظيمية صريحة إلى التعبئة الشاملة للمجلس الوطني للحزب، المرتقب انعقاده يومي 14 و15 فبراير ببوزنيقة، معتبراً إياه محطة مفصلية لتأكيد جاهزية الحزب السياسية والتنظيمية، واستعداده للاضطلاع بأدواره الدستورية في مرحلة تتسم بتحديات داخلية وخارجية متصاعدة.

بلاغ العدالة والتنمية لم يكن مجرد وثيقة تنظيمية، بل بيان تموقع سياسي وأخلاقي، يعكس رغبة واضحة في استعادة المبادرة، ورفع سقف الخطاب، والاشتباك مع القضايا الكبرى بلغة مباشرة، في زمن تتزايد فيه الأسئلة حول السياسة، العدالة، والأخلاق في المغرب والعالم.

تعليق 1
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.