قبل تقديم المحطات الأربعة التي تنتظر الدبلوماسية المغربية من أجل الطي النهائي لملف الصحراء، لا بد من استحضار جملة من المتغيرات الجيوسياسية التي عرفها النزاع سواء على المستوى الدولي أو على المستوى الإقليمي، وأثرت بشكل مباشر في تطوراته.
فعلى مستوى مجلس الأمن الدولي، يجدر بنا التذكير بقراره الأخير رقم 2797، الذي أكد ان الحل سيكون ضمن السيادة المغربية وهو مكسب استراتيجي اضاف إليه القرار مكسبا آخر لا يقل أهمية حين دعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى القيام بمراجعة استراتيجية لمهام بعثة المينورسو، في غضون الستة أشهر التالية لتاريخ صدور القرار في 31 اكتوبر 2025. معنى ذلك أنه بحلول شهر أبريل 2026 ستتم مراجعة شاملة لمهام المينورسو بناءً على المتغيرات الجديدة، والتراكمات التي عرفها الملف، وعلى ضوء تفاعل الاطراف المعنية بالنزاع مع القرار الاخير الداعي الى اجراء مشاورات على اساس الحكم الذاتي وتحت سقف السيادة المغربية، ودون شروط مسبقة.
وحين نتحدث عن المراجعة أو التقييم الإستراتيجي لمهام بعثة الأمم المتحدة، يجب ان نستحضر مسألتين اساسيتين: الأولى مرتبطة بمطالبنا لإنهاء مهامها المبنية على اساس انتفاء اسباب وجودها بعد إعلان الامم المتحدة في تقرير امينها العام كوفي انان سنة 2004 عن استحالة تنظيم الاستفتاء لأسباب فصلنا القول فيها في مقالاتنا السابقة، ونظرا لعجزها عن مراقبة وقف اطلاق النار بعد إعلان الجبهة الانفصالية في نونبر 2020 عن عودتها للعمل المسلح وتحللها من كل المسلسل الامني للتسوية مدفوعة في ذلك من قبل الجزائر.
اما المسألة الثانية فتتعلق بمطالبة الولايات المتحدة منذ سنة 2018، اي حتى قبل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، بإنهاء مهام المينورسو وعدد من بعثات حفظ السلام الأممية، في إطار سعي واشنطن إلى عقلنة ميزانية الإنفاق في المنظمة الدولية، كخطوة ضمن إجراءات أخرى لإصلاح المنظمة العجوز.
ونحن نتحدث عن مجلس الامن، لا ننسى ان شهرين قد انصرما على صدور القرار 2797 دون تسجيل أي تحرك دبلوماسي فعلي في الميدان لا من المبعوث الشخصي ولا من غيره. ولم نسجل اي خطوة لاستئناف المحادثات بله المفاوضات التي دعا إليها القرار الأخير، وهذا الجمود يعكس بوضوح رفض الأطراف الأخرى الدخول في مفاوضات تحت سقف السيادة المغربية، وهو ما تم تأكيده في تصريحات الرئيس الجزائري وفي خطابه الاخير امام البرلمان الجزائري في اواخر دجنبر، وفي بيانات الجبهة الانفصالية المتضاربة وتصريحات الدبلوماسية الجزائرية المتناقضة.
وفي نفس السياق يمكننا أن نضيف متغيرا آخر خارج مجلس الأمن، ويتعلق بانقضاء أجل آخر كان قد أعلن عنه السيد ويتكوف، مستشار الرئيس الأمريكي، الذي تحدث عن أجل ستين يوما لعقد مصالحة بين المغرب والجزائر بـوساطة أمريكية مع تطبيع كامل للعلاقات بين البلدين. وهو ما لم يحدث ، ولم يتم عقد أي لقاء في هذا الاتجاه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا يؤكد للمرة الألف عرقلة الجزائر لأي تسوية ثنائية أو اقليمية أو دولية، وإفشالها لكل الوساطات سواء كانت أمريكية أو خليجية أو إفريقية أو صينية أو روسية أو تركية. وهذا الرفض الجزائري ليس عبثيا، بل مدروس لأن الجزائر تعلم أن نجاح الوساطة سيفرض عليها رفع يدها عن المخيمات وعودة اللاجئين ووقف الدعم عن الميليشيات الانفصالية. ووقف مهاجمة المغرب في المحافل الدبلوماسية ومنع اي أعمال هجومية انطلاقا من اراضيها، ومنع الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي للانفصاليين، وهذه الأمور وغيرها تعني دفن الجبهة الانفصالية وإهالة التراب على جثتها، وفي نفس الوقت ستعني موت عقيدة الدولة الجزائرية التي بنيت على العداء للمغرب، وهو ما سيؤدي حتما إلى انهيار النظام العسكري الجزائري وقيام نظام بديل. وهنا مربط الفرس وبيت القصيد.
وأمام هذا التعنت والعدوان الجزائري الذي استمر طيلة نصف قرن، لا يمكن للمغرب أن يساير التراخي الأممي الى ما لا نهاية، لأنه لا يخدم مصالحه الوطنية، ويضعه باستمرار تحت الضغط والابتزاز من طرف الأصدقاء قبل الأعداء، ويجعله تحت تهديد مستمر لسيف ديموقليس المسلط على رقبته.
ولم يعد هناك من مبرر لاستمرار الوضع على الجمود الذي كان عليه، بعد أن تغيرت كل المعطيات الدولية والاقليمية لفائدة المغرب وبشكل جذري. وفي مقدمة معالم هذا التغيير ينتصب الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020، والاعتراف الفرنسي سنة 2024، ومراجعة إسبانيا لموقفها سنة 2022 والتي يمكن اعتبارها ايضا شكلاً من أشكال الاعتراف بمغربية الصحراء، إضافة إلى سحب ثلثي الدول التي كانت تعترف بالكيان الوهمي لاعترافاتها، حيث لم يتبق سوى أقل من 28 دولة، معظمها دول صغيرة وهامشية تخضع لمنطق شراء الذمم بالبترو-دولار الجزائري، او لازالت تتمترس خلف شعارات ايديولوجية سائرة نحو الانقراض مثل فنزويلا.
ولعل أبرز تحول في الملف يأتي أولاً، من انهيار الجبهة الانفصالية وتشظيها وانقساماتها وظهور تيارات مضادة، وعودة كبار القيادات المؤسسة إلى جانب ازيد من 12 الف لاجئ، كلهم عادوا إلى أرض الوطن بمحض اختيارهم، وهو أعظم استفتاء بالارجل وليس فقط بالاوراق في صناديق الاقتراع. والتحول الثاني يأتي من انهيار الدولة الراعية للمشروع الانفصالي، أي الجزائر، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، والعزلة الإقليمية التي تعيشها في محيطها المباشر، مع مالي والنيجر وليبيا، ومع المغرب بطبيعة الحال، فضلاً عن التوترات مع المعارضة التونسية على خلفية، دعم النظام العسكري الجزائري للنزوعات الديكتاتورية للرئيس قيس سعيد سياسيا وماليا، مقابل الخضوع الكامل للسياسة الخارجية الجزائرية في ملف الصحراء، وهناك حديث عن شرعنة التدخل العسكري للجزائر فوق التراب التونسي تحت غطاء اتفاقية عسكرية تم توقيعها خلال الشهر المنصرم. وعزلة الجزائر لا تقتصر على دول الجوار الافريقي، بل تعدتها الى اهم شريكين اوروبيين وهما فرنسا وإسبانيا التي تعرف علاقتها بهما أزمات حادة بعد دعمهما لمغربية الصحراء.
ولاستكمال الصورة حول المتغيرات العالمية المؤثرة في ملف الصحراء، لا يمكن ان نغفل أن منظمة الأمم المتحدة نفسها باتت قاب قوسين او ادنى من تغيير جذري يطال ميثاقها وهياكلها ومهامها ومؤسساتها، وهو تغيير بدأ الحديث عنه منذ انهيار جدار برلين سنة 1989، ولكنه تسارع واصبح أمرا ملحا في ظل الحرب الاوكرانية وحديث رؤساء الدول الاوروبية عن حرب عالمية مع روسيا في افق 2028، وفي ظل تزايد الصراع بين الصين والولايات المتحدة ودول جنوب شرق اسيا حول الجزر والممرات التجارية البحرية وحول استقلال تايوان، بالاضافة الى الحروب الاقتصادية، وكلها ترجح كفة تغيير النظام الدولي الذي تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد لا أكون مجازفا إذا قلت أن منظمة الامم المتحدة في شكلها الحالي قد تختفي قبل حلول عام 2036.
بناءً على كل هذه المتغيرات فإن الحكم الذاتي، بصيغته المقدمة سنة 2007، والتي قدم فيها المغرب تنازلات كبيرة وخطيرة فرضتها ظروف وملابسات داخلية وخارجية، لم يعد يخدم المصلحة الوطنية، بل بات من واجب المغرب، وليس فقط من مصلحته، أن يسحب مشروع 2007 للحكم الذاتي في اطار ما دعا اليه العاهل المغربي من تحيين للمقترح، وأن يتقدم بمشروع جديد لا يتجاوز حدود الجهوية المعمول بها حالياً في كل جهات المملكة. فالحديث عن تحيين المشروع لا ينبغي تأويله بالضرورة في اتجاه إضافة صلاحيات جديدة، بل يمكن أن يعني أيضاً سحب صلاحيات سبق منحها في سياق دولي مختلف؛ فالمفاوضات أخذ ورد، وكرّ وفرّ، ويكفي أن نستعرض ما يجري في المفاوضات الدولية شرقا وغربا للتأكد من هذا المعطى البديهي الذي قد ينكره البعض.
إن الظروف التي قدم فيها المغرب مقترح الحكم الذاتي سنة 2007 ورفضته الجزائر وجبهة تندوف قد تغيرت، وتغيرت معها قواعد اللعبة وموازين القوة الدولية بشكل جذري بعد مرور عشرين سنة كاملة غير منقوصة. لقد شكل المقترح المغربي آنذاك ورقة مهمة من الناحية التكتيكية، ساهمت إلى جانب عوامل أخرى ومنها التحالفات التي عقدها المغرب مع دول شقيقة او صديقة، في قلب موازين القوى لصالحه. وقد استنفذت ورقة الحكم الذاتي بصيغتها لسنة 2007 الأهداف المرجوة منها. وبات من الضروري الانتقال إلى الورقة الموالية لطي النزاع دون تقديم أدنى تنازل، واقصد بذلك تحيين المشروع المغربي بمقترح الحكم الذاتي في حده الأدنى الذي لا يجب أن يتجاوز الجهوية الحالية، وسحب كل اشارة الى حكومة محلية او برلمان او قضاء او ثروات او غير ذلك من التنازلات. وإذا علمنا ان الجزائر قد رفضت الصيغة الأولى للحكم الذاتي، فأكيد أن تقليص العرض المغربي، سيدفع الجبهة الانفصالية والجزائر إلى رفضه، وهو ما سيمهد للانتقال إلى الهجوم الأخير لإقبار المشروع الانفصالي نهائياً، من خلال أربع محطات نقترحها على صناع القرار المغربي، وتتوزع كرونولوجياً كالآتي:
المحطة الأولى في فبراير 2026، على مستوى الاتحاد الإفريقي، من خلال الدفع نحو طرد الكيان الوهمي، انسجاماً مع الشرعية الدولية، وانتفاء شروط العضوية، من خلال مرافعة قانونية وسياسية قوية سبق لنا أن أعطينا بعض تفاصيلها في مقالات سابقة يمكن الرجوع إليها.
المحطة الثانية في أبريل 2026، على مستوى مجلس الأمن، تتمثل في تنسيق العمل مع حلفائنا لاستصدار قرار ينهي مهام المينورسو، التي استنفدت مبررات وجودها.
المحطة الثالثة، تتمثل في تضمين نفس القرار الأممي توصية بإغلاق مخيمات تندوف وعودة اللاجئين من النساء والشيوخ والأطفال وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وتنفيذا للبروتوكول الموقع مع الامم المتحدة سنة 1998. ونحن نعلم أن إغلاق المخيمات وإنهاء مهام المنورسو يشكل في حد ذاته نهاية النزاع الذي يتغذى من هذين الرافدين.
المحطة الرابعة والاخيرة في شتنبر 2026، وتقتضي العمل داخل اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، لاستصدار قرار يؤكد مغربية الصحراء، وأن الساكنة مارست تقرير مصيرها، وأن المقصود بتصفية الاستعمار هو الوجود الاسباني، وقد تم فعلاً، وأن الإقليم جزء لا يتجزأ من المملكة. وهو أمر في المتناول نظراً لكل التغيرات التي فصلناها، ويكفي الحصول على ثمانين صوتا لتمرير هذا القرار، علما أن الخارجية المغربية تؤكد في كل بلاغاتها أن أزيد من 116 دولة عضو في الامم المتحدة تؤيد الموقف المغربي.
وأخيرا لا بد من التشديد على أن هذه الخطوات تتطلب تعبئة شاملة للدبلوماسية المغربية، وحملات دبلوماسية واسعة النطاق، على المستويات الإفريقية والدولية، بتنسيق محكم مع الدول الحليفة للمملكة، واستناداً إلى الجبهة الداخلية. وبهذه المقاربة يمكن جعل سنة 2026 سنة تجسيد فعلي للوحدة الوطنية، وإقبار المشروع الانفصالي، وإغلاق هذا الملف نهائياً، في إطار الواقعية السياسية والقانون الدولي والمشروعية التاريخية للمملكة المغربية، وفي احترام تام لتضحيات الشعب المغربي وآلاف الشهداء من القوات المسلحة الملكية ومن جيش التحرير المغربي، الذين ضحوا من أجل وحدة المغرب وسلامة اراضيه ومن أجل دحر العدوان الجزائري ومخططات الاستعمار الاوربي لتفتيت وتقسيم وتقزيم الامبراطورية الشريفة.
خبير العلاقات الدولية، متخصص في ملف الصحراء