آسفي: لغز الجغرافيا وسردية الصمود الأزلي

 

الكاتب: عبد الرحمان الزْنادي

 

​ليست آسفي مجرد مدينة ساحلية بسيطة يمكن للعوامل الطبيعية أن تقدر عليها، بل هي كائن جغرافي ضارب في القِدم، يمتد عمر صخوره إلى بدايات زمن نشأة الأرض. هي المدينة التي تتحدى منطق الكوارث بفضل “درع صخري” من الزمن الأول، مما يجعلها عصيّة على الاندثار أو الغرق.
​تتجلى عبقرية آسفي في “الجبال الراكعة”؛ تلك السلسلة الشاهقة التي انحنت بفعل كوارث بركانية وزلزالية قديمة، لتردم شقاً منها تحت الأنقاض وتترك الآخر غارقاً تحت مياه المحيط، بينما استوى ما تبقى منها ليُشكّل الجرف العالي الذي تتربع فوقه أحياء محصنة مثل “الجريفات” (أو الجْريفَاتْ كما تُلفظ محلياً). هذا الحي ليس مجرد تجمع سكني، بل هو حصن مبني فوق “جرف أحفوري” ما قبل تاريخي، يمنح الآسفي أماناً مطلقاً من التسونامي ومن السيول معاً.
​وعند النظر إلى المدينة عبر الأقمار الصناعية، تظهر آسفي كإنسان يفتح ذراعيه لمعانقة المحيط في عناق وجودي أزلي. هذا المحيط ليس جاراً عابراً، بل هو “حارس” يغضب لأجلها؛ ففي هدوء الليل، يطلق نسماته وروائحه اليودية لتطرد أدخنة الفوسفاط وتيارات الاختناق، وكأن الطبيعة تأبى إلا أن تظل رئة المدينة نقية كما كانت منذ فجر التاريخ.
​آسفي هي مدينة “الآسفي” (وليس المسفيوي، نسبةً لقبيلة مسفيوة)؛ ذلك الإنسان الذي استمد من صلابة صخور “الزمن الأول” ومن “علو” الجرف وقاراً وشموخاً. إنها مدينة الألغاز التي تخبئ تحتها سراديب وتاريخاً مطموراً، ترفض الاختزال في صيغة “المدينة المنبسطة”، لتظل دلالتها العميقة أنها “حاضرة المحيط” التي ركعت جبالها لكي يرتفع إنسانها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.