جريمة قتل مزدوجة في العيون.. حينما لا يفرق الجاني بين الفضاء الافتراضي والواقع المعيش

يأخذنا ركن ” من أرشيف الجريمة في المغرب” لهذا الأسبوع إلى مدينة العيون بالصحراء المغربية، لمتابعة فصول جريمة قتل مزدوجة ارتكبت في غضون عشرة أيام، وذهب ضحيتها رجل وامرأة على يد عصابة مكونة من ثلاثة شبان تم توقيفهم، من قبل شرطة العيون.. ليتم بذلك وضع حد لنشاط عصابة خطيرة لم يكن في حسبانها التوقف عند هذا الحد، بل كان أفرادها يحلمون بأن يكتبوا أسماءهم كسفاحين بحروف من ذهب في سجلات الجريمة في المغرب.

* إعداد: عبد الحفيظ محمد

في أحد أيام شهر يونيو الحارقة، تمكنت عناصر الشرطة القضائية بمدينة العيون من تفكيك عصابة إجرامية روعت ساكنة هذه المدينة الهادئة، المكونة من ثلاثة شبان هم: مبارك، (25 سنة، عاطل وصاحب سوابق)، وعزيز الملقب بعزي،(24 سنة، عاطل وله سوابق)، وفريد، (24 سنة عاطل هو الآخر ومن دون سوابق). وكان يحدو هذا الثلاثي الإجرامي طموح جامح بأن يسجلوا أسماءهم بمداد من ذهب في حوليات عالم الجريمة كسفاحين محترفين ليس في قلوبهم لا شفقة ولا رحمة، حيث بدؤوا في محاكاة العصابات الإجرامية التي تعج بها بعض المسلسلات التركية.. وقد تم إحالة هذا الثلاثي على العدالة بتهم ثقيلة جدا تبدأ بتكوين عصابة إجرامية،..، إلى التمثيل بالجثث، مرورا بالسرقة والقتل…

الطريق إلى الجريمة  

ينحدر المسمى مبارك من مدينة كلميم، من أسرة متواضعة تتكون من أب عامل، وأم ربة بيت وستة أبناء.
وفي الحي الحسني بمدينة العيون، حيث استقرت أسرته، التحق مبارك بإحدى مدارس المدينة، لكنه ترك مقعد الدراسة في مستوى الخامسة ابتدائي.
وفي سن 15 سنة، أخذه شقيقه الأكبر ليتعلم الحلاقة. وبما أن مبارك لم تكن لديه أي ملكة لمزاولة هذه الحرفة تحول إلى الإشتغال في قطاع البناء حيث لم يتمكن من تعلم هذه المهنة، ولكنه استسلم بالمقابل لسطوة المشروبات الكحولية.
ولما بات لا يتوفر على مال لتمويل أهوائه ونزواته تورط في عملية سرقة ليتم توقيفه ومن ثمة إحالته على العدالة.
وعند محاكمته كان القاضي الذي بت في ملف قضيته رحيما به نظرا لكونه لازال قاصرا، إذ حوكم بعقوبة حبسية مع وقف التنفيذ، ولكن ما حدث ترك آثاره بارزة في حياة مبارك.
وفي سنة 2009، اشتغل كمساعد سائق شاحنة صهريج.
وخلال رحلة إلى مدينة تزنيت، وجد مبارك عملا في إحدى الشركات قضى فيه مدة خمسة أشهر، وهي المسافة الزمنية لإنجاز إحدى الصفقات العمومية التي كانت قد رست على هذه المقاولة، ليتم بعد ذلك الاستغناء عن خدماته.
أمام هذا الإختبار جمع مبارك حقيبة سفره وعاد من حيث أتى للحصول على رخصة السياقة من دون أن يعثر على عمل.
وبعد أن أصابه الخمول وجد مبارك ضالته في متابعة أطوار أحد المسلسلات على شاشة إحدى القنوات التلفزية يحمل عنوان “إيزيل”.
هذا المسلسل كان يحكي قصة إحدى المافيات التركية تتكون نواتها الصلبة من أسرة يترأسها عراب، يسيطر على العشيرة بحكمة وقسوة في نفس الآن، وكان دائما محاطا ببلطجية يحدوهم طموح جامح وبفتوات لا تتملكهم لا رحمة ولا شفقة. حيث كانوا يشنون الحرب ضد عائلات أخرى لتحديد مجالها الترابي. وكانت كل حلقة من حلقات المسلسل المذكور تجلب حصتها من جرائم القتل والمكائد التي كانت تقع وسط المساكن الفخمة والسيارات رباعية الدفع  اللامعة والنساء الحسنوات، الشيء الذي كان يجعل مبارك يظل متسمرا أمام جهاز تلفزيونه لمدة طويلة.
وكان لمبارك صديق طفولة نشأ وترعرع معه في الحي الحسني يسمى عزيز، 24 سنة، الملقب بعزي، ترك هو الآخر الدراسة في سن مبكر، أي إبتداء من مستوى الثانوي وتم تسجيله في مركز التكوين المهني، حيث طرد بسبب دخوله في شجار في أحد حصص التداريب، ليعمل بعد ذلك صباغا. كما كان لمبارك أيضا سلوك متقلب جعله مدمنا بشراهة على المشروبات الكحولية، وكان يحصل له في كثير من الأحيان بأن ينهي أمسياته بمعارك، إذ كان يتم توقيفه بسببها ومن ثمة إحالته على العدالة.
وآخر مرة تم إعتقاله فيها كانت في نهاية سنة 2011 ، حيث أنه بعد جلسة خمرية لم تكتمل بسلام تم الحكم عليه بعقوبة حبسية مدتها أربعة أشهر نافذة. وقد تم إطلاق  سراحه في شهر فبراير من السنة المذكورة…
وبعد أن ضاق ذرعا بعالم السجن، فضل بالتالي هو الآخر أن يظل في أحضان والديه.

لماذا لا توجد مافيا في البلد؟

عندما التقى مبارك بصديقه عزيز، جلسا يحتسيان الخمر سويا، وبدأ الأول الذي بات يتابع حلقات مسلسله المفضل حد الإدمان في سرد أحدث مغامرات “إيزيل” على صديقه:
“قتل غزل علي بك الملقب “باللقاط” وألقى بجثته في خلاط الإسمنت المسلح، لكي يغوي أرملته بعد ذلك … فهذه القصص كانت تحمله من متاعبه اليومية البئيسة والمليئة بالملل والتفاهة إلى معانقة حياة وردية لا مكان لها في الواقع.
ولما كان كليهما يقضي يومه في البحث عن المال لتمويل جلستهما المسائية. كانا يتساءلان فيما بينهما عن لماذا كان ينقصهما المال ولكن عند “إيزيل” كانت كؤوس الشمبانيا تتدفق، والمال يهطل على نوادي القمار، والحسنوات يثرن الشهوات. ليطرحا على نفسيهما سؤالا بليدا عن لماذا هنا في بلادنا لا نعيش حياة رغيدة، ولماذا ليس هناك أي مافيات؟استمر النقاش بين الصديقين. فمبارك الذي تابع قصة “إيزيل” ضن أنه يعرف لماذا: ” هنا، على عكس تركيا، ليس لدينا مثل هذه الطينة من المجرمين المتمرسين والقادرين على كل شيء، وليس في قلوبهم لا رحمة ولا شفقة، وليس لديهم أي إحساس لا بالدنب ولابالندم”. وأضاف “هناك، كلما كنت لا ترحم .. كلما كانت جرائمك بشعة، وكلما كنت مدلل، ومهاب الجانب وتحضى بالاحترام، وتتسلق بسرعة سلم التراتبية في المنظمة. وكلما صعدت، كلما كنت غنيا..”. وكان الاثنان يرددان: “إذا كان هناك فقط مافيا في البلاد، مافيا التي تأخذنا تحت جناحها، والتي من أجلها سنعمل. قد يكون ذلك قمة المثالية! ” وسيقدمان كل ما لديهما من شجاعة للصعود في سلم التسلسل الهرمي للجريمة.
وفي ما يخص المجرمين، فقد كانا يعرفانهم، ولكن ليس من العيار الثقيل الذي من شأنه أن يحمل لقب مافيوزي. وكان الذي يبرز أمامهما في مدينة العيون، المسمى العربي شخص ذليل وفي مستوى أدنى وأحد السجناء السابقين مع عزيز. وذات يوم أخذهما ليلا على متن سيارة تأجير إلى كاب 7، ورش قرية صيد بالقرب من بوجدور، وهناك سرقوا كمية من الأسلاك الكهربائية حيث كان نصيبهما من هذه العملية مبلغ 3600 درهم بمجرد ما تم بيع المسروقات.

ما العمل لكي تصبح ثريا؟

وفي إحدى الليالي بدءا في مقارعة كؤوس الماحيا التي سالت بغزارة في تلك الليلة، حيث اتفق الإثنان في نهاية المطاف على شيء واحد مفاده أنه لكسب المال في هذا العالم السفلي، فإن الأمر بسيط جدا، وهو أن المال يجب إنتزاعه من أصحابه بالقوة حتى وإن إستدعى الأمر تصفيتهم بعد ذلك، لكي لا يتقدموا بشكوى لدى مصالح الشرطة. نعم! تماما مثل أولئك الأتراك في مسلسل “إيزيل”، الذين عند نهاية إحدى المشاهد الدامية يمكن العثور عليهم في الملاهي الليلية وهم يرقصون تحت الاضواء.
ولكن، إذا كان الأمر بسيط إلى هذا الحد، فهذا لا يعني أنه سهل، بل يجب أولا أن تصلب قلبك وتكون لذيك الشجاعة الكافية على القتل بلا رحمة في اللحظة المناسبة، ومن دون ندم.
بعد ذلك، إعتقد مبارك وعزيز أن الوقت قد حان للقطع مع ظروفهما البئيسة، إنهما شابان في مقتبل العمر ولا يزالان يعيشان تحت سقف والديهما ويتسولان أباءهما ليمداهما ببعض الدريهمات لإقتناء المشروبات الكحولية.
وقبل تنفيذ مشروعهما الإجرامي بدءا يفكران أولا في مسألة اللوجستيك حيث كانا في حاجة ماسة للعثور على مخبأ، أي المكان الذي يمكنهما أن يتفرغا فيه لمزاولة نشاطهما الإجرامي في المستقبل في تكتم كبير، وهو مكان حيث يمكن أن يقتادا إليه ضحاياهما المحتملين في المستقبل وبطبيعة الحال، فإنهما فكرا في المسمى فريد.
كان فريد وحسب ما يتوفران من معلومات بشأنه يعيش وحيدا في كوخ من القش بالحي الحسني على ضفاف واد الساقية الحمراء. وكان شابا يبلغ من العمر هو الآخر 24 سنة. كما يعرفان عنه بأنه كان طفل لقيط ولد في مستشفى مولاي الحسن بنفس المدينة من أم مجهولة الهوية والتي بعد أن قدمت هوية مزورة،  اختفت عن الأنظار. وبعد بضع سنوات قضاها في جناح “الأطفال المتخلى عنهم”، الذي يقوم بتمويله بعض المحسنين، مع ممرضات داخليات كمربيات فقط. وبينما كانت الفتيات المتخلى عنهن يجدن من يتكفل بهن بسرعة، فإن فريد لم يجد كأسرة بالتبني سوى زوجين مسنين عاقرين، ويتعلق الأمر براعي ومتسولة. توفي الزوج سنة 2000 والتحقت الزوجة بالرفيق الأعلى بعد تسع سنوات من رحيل زوجها. وكان الزوجان قد ألحقا في حياتهما ابنهما بالتبني بالمدرسة لكنه لم يتمكن من تجاوز المستوى الإبتدائي نظرا لغبائه. وتركا له كميراث كوخا وهو مبنى مهجور حيث يعيش وحيدا. ولتلبية احتياجاته، إشتغل “كرخايمي”. ومؤخرا، تم طرده من عمله من قبل رب العمل، حيث لجأ إلى مفتشية الشغل لإنصافه وينتظر تعويضه عن االطرد التعسفي.

إنشاء مافيا

بعد مرور بضعة أيام، جاء عزيز عند مبارك محملا بقنينات الماحيا وبكريات الشيرا على متن دراجته النارية من نوع “سكوتر”، وتوجه الإثنان لزيارة فريد حيث أرادا إشراكه في حلمهما بإنشاء مافيا. ولكن بين الحلم والواقع العنيد دنيا كما يقال، لأنهما لم يكونا يعرفان كيف يسويقا فكرتهما على أمل إقناعه بتبنيها. فقد كانا يريدان اختباره، ومعرفة ما إذا كان يظهر استعدادا للجريمة، ولديه أعصاب من حديد، ويعرف كبف يبتلع لسانه، وإذا كان في نهاية المطاف قد يمكن أن يجعل كوخه تحت تصرفهما لاستعماله في أنشطتهما الإجرامية المتوقعة.
لكن ما يميز فريد عن كل من عزيز ومبارك أنه لم يسبق له أن دخل السجن ولم يتم قط التبليغ عن ارتكابه لأي حادث يذكر. فقد كان شخصا هادئا في المجمل، بالإضافة إلى كونه خجول، حيث يبدو أن خطيئته الوحيدة هي انغماسه في ممارسة الزنا مع بائعات الهوى اللواتي يعج بهن الجوار. لكن فريد سيصيبهما بالذهول ويظهر جيدا بأنه يتجاوز تودقعاتهما. وبالتالي، لا يجب أبدا الوثوق عند المظاهر.
أجل، ففي إحدى جلساتهم الخمرية في واحدة من الليالي حيث احتسوا جميعا عدة أكواب من الماحيا، أصابهما فريد بالذهول لما باح لهما بأن حلمه هو الانظمام إلى عصابة، وذلك من دون معرفة مسبقة بأنه حلمهما أيضا.
بعد هذا البوح غير المنتظر من طرف فريد، إستغل كل من مبارك وعزيز الفرصة، وبتشجيع من كؤوس الخمر، اعترفا لفريد بأنهما أعضاء في منظمة إجرامية يرأسها المسمى “الرايس” وأن جرائم القتل، والاعتداءات والسرقات هي خبزهم اليومي. ووجها إليه الدعوة للانضمام إلى عصابتهم. وقد سر فريد بهذه الدعوة.

لكن دعوتهما إلى فريد للإنظمام إلى عصابتهم لم تكن شيكا على بياض بل كانت بشروط.
ومن ضمن الشروط قولهما لفريد: “لحظة فريد من فضلك! فأنت تعرف أنه لا يمكن لشخص الدخول إلى عصابة كما لو أنه ندخل إلى مسجد، فيجب عليه أولا أن يثبت ذلك، ويبين بأنه رجل صلب وليس لديه ذرة من الرحمة في قلبه”. “نعم، ولكن كيف؟ يتساءل فريد والحماس يغمره…
فكان جوابهما صادما، إذ قالا له “يجب عليك أن تقتل شخصا ما أمام أعيننا!”..!!

الضحية الأولى
وافق فريد على شروط رفاقه. وفي ليلة اليوم التالي وبعد احتساء بضع قنينات من الماحيا واستهلاك المخدرات بمعيتهما في منزل. اتصل فريد بإحدى بائعات الهوى المسماة نعيمة، التي تعرف عليها مؤخرا، في عقدها الثالث، وتنحذر من مدينة خريبكة وتعيش في العيون، بعيدا عن أسرتها وعن المشاكل. كما كانت تعمل في إحدى المخبزات نهارا وتمارس الدعارة ليلا. فحدد معها موعدا بالقرب من محل للوجبات السريعة حيث خرج لانتظارها، ولما جاءت أخذها إلى منزله. وبمجرد ما اجتازت  العتبة، أمسكها من الخلف وشعرت ببرودة شفرة سكين على خدها. وهمس عزيز في أذنها قائلا: “من المهم ألا تحاولي الصراخ وإلا ذبحتك”…
وتحت وطأة التهديد بالسلاح الأبيض إستسلمت نعيمة، فخلعت ملابسها وتم اغتصابها من قبل عزيز ثم فريد وأخيرا مبارك.
ومن ثمة، أراد فريد المرور إلى الفعل. فأمر نعيمة بأن تنام على بطنها، فقاطعه عزيز رغبة في معاودة اغتصابها. وبعد ذلك أمرها فريد بأن تنام على بطنها من جديد. نفذت نعيمة الأمر فأسندها على الأرض بواسطة ركبته ثم أخذ سروال ملابس نومه ولفه على عنقها وجره بقوة. شعرت نعيمة بالإختناق فقاومت بكل ما أوتيت من قوة حيث تمكنت من جعل فريد يفقد توازنه ويسقط على ظهره. فهرع عزي ومبارك لانقاذه ثم شلا حركة نعيمة. وبعد مرور دقائق قليلة سلمت الروح إلى باريها.
جلس الجناة لالتقاط انفاسهم. ثم بدأوا يدخنون السجائر وهم يفكرون في طريقة التخلص من جثة نعيمة التي تتوسط مسرح جريمتهم البشعة. فقرروا بأن أفضل وسيلة للتخلص من الجثة هو العمل على تقطيعها إلى أشلاء.
قام فريد يفتح محفظة نعيمة فاستولى على ورقة نقدية من فئة 50 درهما وهاتف محمول وبطاقة تعريف وطنية، حيث إكتشف لأول مرة أن الإسم الحقيقي للضحية هو رقية وليس نعيمة. وبعد ذلك، خرج لشراء أكياس القمامة وزجاجات الماحيا. وبواسطة سكين مطبخ، قطع جثة رقية إلى خمسة أجزاء: الذراعين والساقين والرأس مع الجسم، مع الحرص على عدم استخراج الأعضاء الداخلية مخافة انتشار رائحة كريهة. ومن هناك، قام بتنظيف مسرح الجريمة من  الدم، ووضع أشلاء الضحية في أكياس حيث تخلص منها في جنح الظلام برميها من أسفل المنحدر وسط القصب على ضفة واد الساقية الحمراء.
والآن، وبعد أن استهلك الثلاثي الإجرامي جريمتهم البشعة الأولى وبات مصيرهم مختوما بالدم، يمكن لهم المرور إلى المسائل الجادة حيث أصبحوا في حاجة إلى ضحية يكون شخصا ثريا لقتله وسلب ممتلكاته…
وفي الأسبوع التالي، بدأوا وهم منغمسون في احتساء الماحيا وتدخين الحشيش يفكرون في طريقة استدراج شخص ثري إلى مكانهم المهجور ويكون سيئ السمعة.
إلا أن، الأمر لم يكن بديهيا، حتى اليوم الذي قال لهم فيه فريد بأن لديه  فكرة، ثم بدأ يحكيها لهم…

قصة مضحكة

وقبل بضعة أشهر، وبينما كان فريد يجلس في أحد مقاهى المدينة يدخن الشيشة رفقة سكينة، شابة ذات العشرين ربيعا لكنها تجر وراءها خبرة طويلة في أقدم مهنة في العالم، انظم إليهما شخص كان على معرفة بها. وخلال الحديث معه دعاهما إلى أمسية كان ينوي تنظيمها في فترة ما بعد الظهر. كانت سكينة تعرف المنزل لأنها سبق أن ترددت عليه في وقت سابق. وبما أن فريد لم يكن لديه ما يفعله رافق سكينة لحضور الأمسية. وكانت قد أكدت له أن مضيفها المدعو سالم، كان إطارا في الإدارة، ويتوفر على ما يكفي من المال وينفق بسخاء وبدون حساب بين حفلات بادخة وألبسة فاخرة وسفريات في الداخل والخارج.
كان الحفل رائعا والضيوف سعداء حيث غنى الفتيان والفتيات، ورقصوا وشربوا، ودخنوا وأكلوا، وضحكوا حتى ساعة متأخرة من الليل، حينها بات الجميع سكارى بالفودكا والويسكي.
ونظرا لعددهم الكبير تراكموا في وقت النوم الواحد فوق الآخر فتيان وفتيات بحيث كانت غرفتي الشقة مزدحمتين عن آخرهما، كما كانت أرائك الصالون مليئة أيضا، مما اضطر الكثير منهم إلى النوم في البهو جنبا إلى جنب….
وفي جوف الليل، أحس فريد بيد تمتد إلى صدره لتأخذ طريقها نحو الأسفل. لم تكن يد سكينة بل إنها يد سالم.
اعتقد فريد في البداية أن الرجل كان يحلم، ولكن نظرا للدقة والسرعة التي تمت بهما تلك الحركة، سرعان ما أدرك انه أخطأ الظن، ليطرد بحركة فظة اليد التي لامست صدره قبل أن يغير مكانه. وفي اليوم التالي سلمته سكينة رقم هاتف سالم بناء على طلب هذا الأخير، مشيرة إلى أنه إذا أراد الاتصال به فيمكن أن يحصل منه ببعض المال مقابل تقديم بعض الخدمات الخاصة جدا؛ فرفض فريد هذا الاقتراح معبرا عن غضبه واشمئزازه.

حياة بئيسة

في الواقع، لم يتردد فريد في الاتصال بسالم، وذلك نظرا لكونه يعيش حياة بئيسة كالحيوان المفترس، وبالتالي لن يرفض طلبه.  فكلمة “لا” قالها في البداية فقط. فمن يرغب في أن تطأ قدماه حيه البئيس ويغامر بحياته غير شخص مثلي؟ وأمام أصدقائه، أخذ فريد هاتفه واتصل بسالم. وبعد تبادل التحية قال له بصراحة إنه يود أن يراه.
شعر سالم بالسرور لوقع هذا الخبر. فرد عليه بأنه يتواجد في هذه اللحظة بمكناس ووعده بأنه سيهاتفه عندما سييعود الى العيون.
وبعد مرور يومين، هاتفه سالم بعد الظهر، وحدد له موعدا في بيته الواقع خلف مقر أكاديمية التعليم في حي المستقبل.

توجه فريد إلى العنوان المتفق عليه مع سالم وكان يرافقه عزي، وكانا قد قررا  تصفيته. استقبلهما سالم بالقرب من منزله ودعاهما للدخول. وكم كانت دهشتهما كبيرة لما وجدا هناك شاب مخنث الذي قدمه لهما سالم على أنه يسمى جواد، طالب في إحدى مدارس المعلوميات، والذي أعد لهما سندويتشات وقدم لهما الفودكا قبل أن يدخل إلى إحدى الغرف.
بدأ الثلاثة في احتساء كؤوس الخمر وفي تبادل النكات. وتحت تأثير الفودكا تجرأ سالم على اللمس ثم القبلات. هذا المشهد أصاب فريد بالذهول وهو يرى زميله عزي يستسلم لرغبات سالم، لكنه ظل حذرا ومتماسكا. ومن ثمة اقترح عليه سالم إن كان يرغب في الالتحاق بجواد في غرفته واستغلاله كما يريد. رفض فريد اقتراح سالم لأنه جاء من أجل شيئ آخر، لكن الواضح أن الوقت لم يكن ملائما، وعلى وجه التحديد بسبب تواجد جواد، وبالنسبة إليه فهذا الأخير ليس سوى شاهد غير مريح. وعندما نفذت زجاجة الخمر ذهب فريد وعزي تاركين سالم دون أن يحقق رغباته. وضربا معه موعدا مساء يوم الجمعة، عندما يسافر جواد إلى حال سبيله إلى طرفاية.
وفي مساء يوم الجمعة، في حوالي الساعة التاسعة ليلا كان الثلاثي المكون من فريد وعزي وسالم في منزل هذا الأخير لوحدهم. ووسط الموسيقى، وكؤوس الفودكا، ودخان مخدر الشيرا والشيشة، والقبل ، واللمسات، كان فريد ينتظر اللحظة المناسبة. وفي ساعة متأخرة من تلك الليلة ووسط تلك الأجواء وبينما بدأ الثلاثي في ممارسة الجنس جماعة إستغل فريد الفرصة ليضع حدا لحياة سالم بواسطة حبل غسيل لفه حول عنقه وبمساعدة صديقه عزي تمكنا من شل حركة الضحية الذي قاوم بكل ما أوتي من قوة بدون جدوى.

الخطأ القاتل

حاول عزي الاتصال بمبارك عبر هاتفه المحمول لكي يساعدهما في تقطيع جثة الضحية ومن ثمة نقلها في أكياس والتخلص منها، لكنه اكتشف بأن رصيده غير كاف لإجراء المكالمة. هذا الإشكال دفع عزي لارتكاب الخطأ القاتل بالنسبة له (المبارك للشرطة) حينما اتصل بصديقه عبر هاتف الضحية. حيث حدد موعد اللقاء معه بالقرب من أكاديمية التعليم.
خرج فريد للقاء مبارك في حين خرج عزي لجلب دراجته النارية من نوع  “سكوتر”. ومرة داخل المنزل، أمسك فريد السكين التي جلبها مبارك، وهي نفس الأدات التي إستعملت في تقطيع جثة رقية، وجر جثة سالم إلى الحمام وبدأ في تقطيعه إلى أشلاء.
استغل مبارك الفرصة لكسر قفل غرفة نوم الضحية وتسلل إليها من أجل السرقة. لكنه لم يجد في نهاية المطاف سوى 70 درهما في جيب سروال سالم وهاتف محمول. في حين عثر فريد في المطبخ على برميل حيث وضع بداخله كل الجثة تقريبا باستثناء الحوض وذراع وضعهما في حقيبة، ثم قام بتنظيف المكان. في حين تكلف عزي بنقل البرميل نحو بيت فريد في الحي الحسني، ليلتحق به كل من فريد ومبارك في الصباح وبحوزتهما الحقيبة.
مرة هناك، قاموا بحفر حفرة واسعة بما فيه الكفاية في المطبخ، حيث رموا بأجزاء الجثة قبل تغطيتها بالتربة ووضع عليها طبقة من الأسمنت.

التحقيق

كان المرحوم سالم قيد حياته مرتبطا جدا بوالدته. حيث كان يتصل بها عدة مرات في اليوم ولا يذهب إلى أي مكان دون إخبارها بذلك. وهكذا، وبمجرد حلول اليوم التالي ساورها القلق بعد أن لم يرد على مكالماتها على جميع الأرقام الأربعة لهاتفه المحمول. ومن هنا إنخرط جميع أفراد العائلة في البحث عن سالم في جميع أنحاء العيون بدون جدوى. فقامت امرأة حزينة بوضع شكاية بحث عن متغيب لفائدة الأسرة بالدائرة الرابعة.
0٠٠٠0اعتبر اختفاء المسمى سالم بالمقلق جدا لكي تتسلم مصلحة الشرطة القضائية بالعيون ملف هذه القضية. وباشرت عناصرها تحرياتها بتحرير ثلاث طلبات تم توجيهها للفاعلين الوطنيين الثلاثة في قطاع الهاتف، لكي يطلبوا منهم تقديم جرد للمكالمات وهويات أصحاب الأرقام وخاصة تلك التي أجريت يومي الجمعة والأحد، كما انتقل المحققون إلى شقة سالم بتجزئة المستقبل، وهناك وجدوا جواد وقد عاد للتو من طرفاية. هذا الأخير لم يكن يعرف أين يوجد سالم. وفي مصلحة الشرطة تمت مواجهته بسيل من الأسئلة العميقة حيث بدا للمحققين أن لا علاقة له باختفاء سالم. وعلى الرغم من ذلك كشف على أن اثنين من أصدقاء سالم وهما المسمى عزي وفريد كانا قد جاءا إلى شقته لقضاء أمسية الخميس بمعيته، وكانت لديهما تصرفات مريبة إلى حد ما.
لم يتأخر جواب الفاعلين في الهاتف المحمول على طلبات المحققين في الوصول إلى مصلحة الشرطة. حيث اهتم المحققون بشكل خاص بآخر مكالمة من هاتف المفقود قبل أن يختفى، دون إهمال المكالمات الأخرى بطبيعة الحال. لم يتم التعرف على هوية المتصل، ولكن طلبات أخرى مكنت من تحديد المتصلين به عادة والاقتراب منهم، شيئا فشيئا. وأخيرا، تم التعرف على هوية صاحب آخر مكالمة من هاتف الضحية ويسمى مبارك. وهو نفس الشخص الذي لم يكن يفرق بين الفضاء الإفتراضي والواقع المعيش…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.