*”دْرُونا ودْرُونْهُم” ثم “جَبْر ضَرَرْنا وجَبْر ضَرَرْهم” سمفونية بؤس وفشل خطاب البوليساريو*

مرحلة جبر الضرر هي واحدة من المراحل الهامة على طريق تحقيق العدالة الانتقالية، عدالة تأتي للقطع مع حقب تكرر فيها ارتكاب الفضاعات الوحشية في حق المجموعات البشرية أو الأفراد، والحديث هنا عن انتهاكات جسيمة تصل حد الاختطاف والتعذيب والقتل وما إلى ذلك من انتهاكات حقوق الانسان.
بالتأكيد أن للعدالة الانتقالية مراحل أخرى جد مهمة وتدرجت في تحقيقها مختلف تجارب العدالة الانتقالية والانصاف والمصالحة عبر العالم، ولن تستقيم أي مصالحة إلا بالوقوف عليها وتحقيقها، وهي بالأساس تهم الإصلاحات السياسية والقانونية والقضائية…، إصلاحات تمس مختلف المؤسسات التي تسيطر على الحكم والقرار، ومن هذا المنطلق يمكن تذكير البوليساريو أن هناك مراحل أخرى لا تقل أهمية عن التعويض المادي.
فما يمكن ملاحظته في هذا الباب بغض النظر عن تغييبها لخطوات أخرى تسبق جبر الضرر، أن البوليساريو اختزلت النقاش حول هذه المسألة فقط في شقه المادي دون المعنوي والذي يرتبط بالمسؤولية والمحاسبة، ثم ركزت على مسألة اعتراف البوليساريو بارتكاب جرائمها في حق الضحايا مع العلم أنها وصفتها “أخطاء وتجاوزات”، فهناك من سجل لها أنها اعترفت بارتكابها خلال المؤتمر الثامن، في حين أن البعض اختار التهليل بقيامها بخطوة في الاتجاه الصحيح عبر إقرار مسألة جبر ضرر الضحايا وتعويضهم ماديا خلال المؤتمر الخامس عشر، باعتبار أن ما تقوم به حاليا هو تنفيذ لتوصيات المؤتمر المذكور، وأمام هذه الوضعية الشاذة التي وبكل تأكيد لن يقاس عليها مستقبلا نتساءل حول فائدة التعويض المادي دون تسمية الأمور بمسمياتها وكذا ربط المسؤولية بالمحاسبة، ودون القيام بخطوات أخرى تؤكد من خلالها البوليساريو جديتها في القيام بمصالحة حقيقية مع الضحايا.
فبخصوص تحديد المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الإنسانية باسم البوليساريو، تظل مسألة جوهرية في الحكم حول هل اعتراف البوليساريو بتلك الجرائم من عدمه ثم بعد ذلك الحديث عن المصالحة وطي صفحة ماضيها الدموي، خاصة وأن تحديد المسؤولية بشأن تلك الجرائم ومحاسبتهم، خطوة تأتي من حيث الترتيب الزمني قبل جبر الضرر، على أن يتم تحديد الجزاء والذي تختلف أوجهه حسب الاتفاق بين الأطراف.
ومن جهة أخرى، ستظل هذه الخطوة بعيدة كل البعد عن سياق المصالحة، ما دام أن ” حاميها حراميها “، فكيف يعقل أن من لا تزال في ذمته قضايا اغتصاب للصحراويات أن ينصب نفسه راعيا للمصالحة وجبر ضرر ضحايا رفاقه ممن وصلو إلى القيادة بدماء غيرهم من الصحراويين، فجبر الضرر هذا له طعم الاغتصاب، ثم كيف للمصالحة أن تتم والجلادون على رأس مسؤوليات وقيادة البوليساريو العليا.
في خضم هذا التطبيل الإعلامي، يبقى ما قامت به قيادة البوليساريو لا يعدو كونه حملة انتخابية تسبق انعقاد مؤتمر البوليساريو القادم، فضلا عن اعتباره محاولة يائسة لتخفيف حدة ضغط ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من طرف قياداتها داخل أروقة المؤسسات الحقوقية الدولية، الخطوة أيضا لم تخرج عن سياق خطاب ” درونا ودرونهم “، ولا ينقصها سوى أن يطالعنا أحد القادة الجلادين على شاشات وسائل التواصل الاجتماعي ليخبرنا أن الواقع الآن أصبح، ” جبر ضررنا وجبر ضررهم “، لتكتمل صورة بؤس البوليساريو في مواجهة الضغط الخارجي والداخلي على قيادة الرابوني من لدن ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان المرتكبة من طرف جبهة البوليساريو.
-الصحفي سيدي اسباعي
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.