‫الرئيسية‬ الرأي نجم بالبيت الأبيض
الرأي - 26 مايو 2020

نجم بالبيت الأبيض

وقف الرئيس أمام الكاميرات والعالم في مؤتمر صحافي، يوم الجمعة 15 ماي 2020، بحديقة الورود بالبيت الأبيض يُعلنُ قرارَه. كان سافر الوجه بدون كمامة تتحدى عواقب الجائحة، حين نطق اسم الدكتور منصف السلاوي مشرفا على عملية “سرعة الضوء” لإنتاج لقاح مضاد لفيروس كوفيد 19 بسرعة قياسية. شَبَّهَ الرئيس العملية بمشروع منهاتن لإنتاج القنبلة الذرية عام 1939. مشروع سابَقَ الزمن لتحقيق السبق الأمريكي. رَسَمَ ترامب هدفه. إنه “تكملة تطوير لقاح مجرَّب لكوفيد 19، ثم صناعته وتوزيعه بأقصى سرعة ممكنة.” ولكي يبرر اختياره، قال إن الدكتور السلاوي أفلح في اكتشاف أربع عشر لقاحا خلال عشرة أعوام من عمله في القطاع الخاص. أما الجنرال غيستاف بيرنا، المسؤول الآخر للمشروع، فمهمته تقديم خبرته في اللوجيستيك لتسريع عملية التوزيع. أوضح السلاوي أن الهدف هو “توفير مئات الملايين من الجرعات لتوزيعها على الأمريكيين والعالم عند نهاية السنة”. سيشتغل السلاوي، إذن، مستشارا رئيسيا ومنسقا لجهود وزارة الدفاع ووزارة الصحة والخدمات الاجتماعية.



الدكتور السلاوي معروف بتجربة ممتدة لأكثر من 30 سنة في حقل اكتشاف اللقاحات. واختارته المجلة الأمريكية “فورتشن”، عام 2016، ضمن مغيري العالم الخمسين. فهو صاحب أكثر من 100 مقالة وعرض علميين. وبعد حصوله على الدكتوراه في البيولوجيا الجزيئية وعلم المناعة من الجامعة الحرة ببروكسيل، واصل دراسات ما بعد الدكتوراه بكلية الطب بهارفارد و كلية الطب بجامعة تافتس ببوسطن. اشتغل السلاوي كذلك رئيسا سابقا لشعبة اللقاحات بشركة الصيدلة العملاقة جلاكسوسميثكلاين (جي إس كا) ببريطانيا. وخلال عمله بالجي إس كا، اكتشف لقاحات ضد القُوبَاء (وهو مرض جلدي) والملاريا وسرطان عنق الرحم وفيروس روتا والإصابة ببكتيريا الالتهاب الرئوي.

إن أول انتقاد لخطاب ترامب السابق هو حرصه على تسريع العملية. وهذا التسريع يشي بتسييس ترامب للمعرفة العلمية. فالدكتور أنتوني فوسي، الخبير في الأمراض المعدية، ذو الوظيفة الاستشارية والإعلامية بخلية تدبير أزمة كورونا، يشكك في جدية تحديد نهاية السنة موعدا لإنجاز المطلوب. والدكتور السلاوي نفسه وصف العملية ب”العسيرة وذات المصداقية الكبيرة.” إذن، هي عملية سياسية أساسا. وقد كان ترامب ذكيا في استراتيجيته، حين حاول تخليص رقبته من حبل الأجل المحتوم: “وسواء أأكتشفنا اللقاح أم لم نكتشفه، فنحن عائدون وقد بدأنا العملية.”


لقد كان ثمة منتقدون لتعيين الدكتور السلاوي في هذا المنصب. فهي ذي السيناتورة الديمقراطية إليزابيت وارين، المرشحة الديمقراطية السابقة للرئاسة، ضمن منتقدين آخرين، وصفت السيد السلاوي ب”القيصر الجديد للقاحات”. وألمعت إلى وجود تضارب للمصالح بتعيينه. فهو يمتلك 10 ملايين دولار أسهما في شركة موديرنا المستفيدة من الدعم الحكومي لإيجاد لقاح للفيروس. لذلك طالبت باستقالته. وانبرت بعض الردود لتوضح كونه متعاقدا، لا موظفا حكوميا وأن أدواره استشارية فحسب داخل الشركات كما ليست مرتبطة بفيروس كوفيد. وهذا ما يعفيه، في نظرهم، من القوانين الفدرالية للشفافية الملزِمة بكشف المناصب والممتلكات والارتباطات المالية. ولإخراس الأفواه الناقمة، استقال السيد السلاوي من شركة موديرنا، حيث كان عضوا بهيئة مديريها ولجنة البحث والتطوير بها.
أما الأطباء الأمريكيون ذوو الأصل العربي فوجدوا الحدث تتويجا لقصة نجاح عربية. وكأني بهم يلمحون إلى صورة العربي أو المسلم في مخيال وسائل الإعلام الغربية صانعا للدمار بالعالم فحسب، لا الأعمال الجليلة المنقذة للإنسانية. ولو عدنا القهقرى قليلا لتذكرنا منع ترامب، قبلا، لبعض الجنسيات المسلمة من دخول أمريكا.

وباعتباري مغربيا، فإني أرى التعيين فخرا لقومي. فهو برهان على كون الجينات المغربية ما زالت فاعلة في مجال البحث العلمي. وهذا حافز لمعتنقي فكرة “ليس في الإمكان أبدع مما كان” ببلدي. وكون السيد السلاوي حصل على الباكالوريا من المغرب، فهذا دليل أن التعليم العمومي، في عصره الذهبي، كان مواكبا للعصر. فلولا تكوينه المتين داخل جدران المدرسة العمومية لما استطاع مواكبة الدراسة الجامعية ببلجيكا. ولكونه مواطنا بجنسيات ثلاث، أي المغربية والبلجيكية والأمريكية، فالمظنون أنه يتمتع برأسمال ثقافي باهر مُثْرٍ لشخصيته الإنسانية. وقد يجادل البعض في مسألة الولاء الأول. وهذه مسألة تافهة في نظري. فكيف نحسم تفكيرنا لو كان لديه تسع جنسيات؟ فأي طبيب أو عالِم له ولاء إنساني ابتداءً. فتجربته العلمية لخدمة الإنسانية، بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللون. ويلعب تصور المرء لذاته وهويته دورا محوريا في نظرته للآخر. ولعل وجود جو أكاديمي مثالي وبنية تحتية حيوية ببلدان المهجر كان عاملا أساسيا لإنجاز أبحاث عالمية مرموقة. فهل كان السلاوي ليكون ما هو الآن لو مكث بالمغرب ولم يسافر؟ وهل كنا لنعرفه لولا الكورونا؟

ولعل الضجة التي أثيرت مؤخرا حول تسمية أماكن عمومية بتمارة بأسماء مشرقية فرصة للتعريف بعلمائنا وشخصياتنا. فلم لا نخصص هذه الفضاءات لأسماء المغاربة النوابغ اعترافا بقيمتهم المعرفية وتشجيعا لناشئتنا على الاقتداء بهم؟ فاللافتة علامة على رسالة خفية. وقد تجتهد مكونات المجتمع المدني لابتكار حلول تشجيعية أخرى على الكد والاجتهاد العلمي. ولم لا يشتغل المخرجون المغاربة على فيلم يحكي سيرة الرجل العلمية كما تصنع السينما الأمريكية ولْيَجْعَلُوه عملا عربيا مشتركا؟ فجي إ س كا افتتحت مركزا للأبحاث بروكفيل بأمريكا أسمته “مركز السلاوي للأبحاث اللقاحية”. وهذا اعتراف مثلِجٌ لصدر رجل بلغ 61 سنة من عمره. وإذا كنا نسمي مركز باستور باسم فرنسي اعترافا بفضله على الإنسانية، فهذا اسم مغربي من أبناء البلد المسمي، فما نحن فاعلون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…