‫الرئيسية‬ الرأي موسم اصطياد العصافير
الرأي - 23 يناير 2020

موسم اصطياد العصافير


غادروا المطار في موكب متراصف. بغتة أردتهم دْرُون معادية قتلى بقذائف ناسفة. كان مشهدا دراميا. وتولت وكالات الأنباء العالمية تفصيل الواقعة. خطوة مباغتة كانت تلك من الرئيس ترامب: فبعد بضعة أشهر من قتل البغدادي بإدلب السورية، هو ذا يأمر بتصفية قاسم سليماني قائد فيلق القدس وأبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي قرب مطار بغداد الدولي فجر الجمعة 3 يناير 2020، إذ خرج العراقيون، قبلا، منذ غُرَّةِ أكتوبر، مطالبين برحيل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وكافة الطبقة السياسية الفاسدة ووقف التدخل الإيراني في العراق.

اعتبرت أمريكا القتل انتقاما وردعا لخطر وشيك. لم تفصح عن تفاصيل الخطر حتى تكشف للعالمين قانونية فعلها. ولعله مكسب سياسي آخر لترامب قبل الرئاسيات القادمة. فالقتيل ثاني أعلى رتبة عسكرية أجنبية تغتالها أمريكا منذ تصفيتها من خطّط لهجوم بيرل هاربور، الأميرال الياباني إيسوروكو ياماموتو، عام 1943. كان يسميه خامنئي ب”الشهيد الحي” ونفحه في مارس الأخير أعلى وسام عسكري إيراني حُجِبَ منذ 1979 فناله قائد فيلق القدس، للعمليات السرية والعسكرية الخارجية للحرس الثوري: وسام ذو الفقار.


وصف المراقبون موكبه الجنائزي بالأضخم بعد موكب الإمام الخميني عام 1989، كما يعد أول من يحظى بالتأبين بمدن إيرانية مختلفة: الأهواز ومشهد وطهران كما لو شيعت إيران بطلا فارسيا يذكرها بأمجاد فارس القديمة. لقد قدمت إيران، بسبب سوء التنظيم، ضحايا جددا رافقوا الموكب الجنائزي بمسقط رأس سليماني، كيرمان: 56 قتيلا وأكثر من 200 جريح.


كان اغتياله فرصة، بعد الاحتجاجات الشعبية، لإعادة شرعنة النظام السياسي المختنق بإيران، بسبب طبيعته المنغلقة على لون إيديولوجي واحد يعتلي فيه الولي الفقيه هرم الدولة الإيرانية. فهل من عَدُّوا قاسمي الرجل الثاني في الدولة الإيرانية كانوا جادين في وصفه؟ وهل إيران دولة مؤسسات أم دولة أفراد؟


إنك إن ذكرت المجال الخارجي الإيراني، فحتما ستذكر “الحاج” قاسمي، من أسهم في إنقاذ حكومة بشار الأسد عام 2012 ونصرة القوات العراقية أمام داعش عامي 2014 و2015. وإليه تعزو سرديات إخبارية إقناع بوتين بالتدخل في سوريا. ولعل قتله وهو يتنقل بين بلدين ومقتل أبو مهدي المهندس، زعيم قوات الحشد الشعبي، برهان تأثيره العسكري في ذَيْنِكَ البلدين.
أقدم ترامب على الخطوة وإجراءات عزله من منصبه تطوقه كما لم يفوض إليه الكونغرس قتل سليماني. جاءت الأحداث تَتْرَى، فإذا تذكرت حادثة إسقاط إيران طائرة مسيرة أمريكية، فَلْتَعْلَمْ كذلك أن أمريكا تنسب إلى كتائب حزب الله قتلها، في 27 دجنبر 2019 في هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية عراقية بكركوك، متعاقدا أمريكيا. نفذت الطائرات الأمريكية في 29 دجنبر ضربات جوية على ثلاث من قواعد حزب الله بالعراق وقاعدتين بسوريا فكان اقتحام أنصار الحشد الشعبي السفارة الأمريكية ببغداد في 31 دجنبر، مطالبين برحيل القوات الأمريكية من العراق، بعد سقوط 25 مقاتلا شيعيا بضربات أمريكية.
إن الإعتداء على حرمة أرض أمريكية، أي السفارة، ترتبط في المخيلة الجماعية الأمريكية بأحداث السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، حين احتجاز رهائن أمريكيين من لدن الثوار الإيرانيين. وإذا ذكرنا كتائب حزب الله، إحدى فصائل الحشد الشعبي العراقي، فإنا نذكر حتما زعيمه أبو مهدي المهندس. وهو من أم إيرانية وأب عراقي. يتقن الفارسية. وهو خريج كلية الهندسة التكنولوجية ببغداد وحاصل على دكتوراه في العلوم السياسية. وهي معطيات تفسر متانة علاقته بالقائد الإيراني وتوحدهما في أهداف مشتركة تخدم الاستراتيجية السياسية والعسكرية الإيرانية.
ولكي تبدي إيران للعالم أنها لم تفقد توازنها من اللكمة الأمريكية، عيّن المرشد الأعلى خامنئي العميد إسماعيل قاآني قائدا لفيلق القدس كما لو أنها تنقل للعالم أن الأمر يتعلق بديمومة المؤسسات وليس بفناء الأفراد. فقاءاني رفيق درب سليماني في الحرب العراقية الإيرانية، من قاد عمليات الحرس الثوري الإيراني داخل أفغانستان وباكستان. فرغم نوعية الهدف الأمريكي المغتال، فإن الأمر يتعلق بتنمية المؤسسات الإيرانية لقدراتها الذاتية، وضمنها الأطر البشرية، مثلما طورت إيران قدراتها التقنية الذاتية في تصنيع الطائرات المسيرة. وهي إن أرادت دخول حرب غير متكافئة أمام أمريكا، فلديها أوراق عدة، مثل وقف الملاحة البحرية بمضيق هرمز وقصف منشآت نفطية أو قواعد عسكرية أمريكية بالأراضي الخليجية أو الاعتماد على أحد وكلائها، مثل الحوثيين في اليمن، حيث باب المندب الاستراتيجي، لضرب أعدائها أو الضغط على النواب العراقيين الموالين لها للعمل لإخراج الجنود الأمريكيين من العراق. فإيران أيضا هي جِمَاعُ وكلائها باليمن والعراق وسوريا ولبنان. ففي سوريا، مثلا، وبغية تنفيذ استراتيجيته العسكرية، استخدم سليماني القدرات القتالية لحزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية. وحسبنا أن نذكر زيارة بومبيو لأمريكا الجنوبية للجم أي أنشطة محتملة لحزب الله اللبناني بهذه المنطقة. فهل عليه أن يزور إفريقيا أيضا لهذه الغاية؟ وهل اغتيال قاسم سليماني كان مُنْيَةً إسرائيلية أيضا؟
لقد كان من الأضرار الرئيسية لاغتيال سليماني إصابة 11 جنديا أمريكيا بأعراض الارتجاج بعد قصف الحرس الثوري لقاعدة عين الأسد العراقية وإسقاط طائرة أوكرانية تقول إيران إنها أسقطتها خطأ. يصعب اتهام إيران بسوء النية. فضمن الركاب مواطنون إيرانيون. وقد تسبب الحادث في احتجاجات مواطنين إيرانيين. وهي احتجاجات تبدو إيران في غنى عنها. فيكفيها أن لحمتها الوطنية التأمت بسبب اغتيال بطل قومي يجسد حكايات فارسية قديمة والأسلوب الاستراتيجي الإيراني في إدارة الحروب الخارجية. لقد أشعلها ترامب نارا قد تكون قَبَساً تنير انتخاباته القادمة أو هوجاء تحرقه وَأَيَّ رئيس بعده!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…