‫الرئيسية‬ الرأي لِمَ حماستي للإلحاد في كورونا؟
الرأي - 5 أغسطس 2020

لِمَ حماستي للإلحاد في كورونا؟

كان بقربي، فوق الرصيف، إذ مرت سيارة الإسعاف منذرة بوجود مصاب: “إنها فارغة، لكنهم يشغلون الصفارة عمدا!” قال الرجل الخمسيني مسددا إلي نظراته. ربما انتظر جوابا، لكني لذت بالصمت. فبم أجيبه؟ فأي إجابة تحتاج برهانا. وأنا أحدس أيضا أنه يشكك في العدد الرسمي للمصابين، بل ربما يرتاب في وجود الوباء أصلا. أقول إنني أحدس ذلك فقط، بناء على موقفه. فقد يكون من هؤلاء المشككين، كما قد يكون ارتيابه في تلك اللحظة فقط. وبما أنك قد تكون التقيت مشككين، فدعنا نفكر سويا.

لم يقدم الرجل برهانا. وحسبي أن عدم قدرتي على الدفاع عن فكرة لا يعني تفنيدها. فما كل الناس يبرعون في المناظرة، كما أن عدم معرفتي بالشيء ليس دليلا على انتفائه. وبما أني لا أملك دليلا واحدا يعضد وجوده أو انتفاءه، ولست أملك الكفاية المعرفية لتشخيص المرض، فعلي، لحظتئذ، أن ألوذ برأي خبير في الحقل الوبائي. وبما أن الوباء غدا جائحة، فهذا يعني وجود خبراء في شتى أصقاع الأرض يستحيل اتفاقهم على شيء مكذوب. ففي هذا العالم، علمتني الدنيا أنها ملأى بالأخيار والأشرار. فخيارها وشرارها وكبيرها وصغيرها أجمعوا على وجود الفيروس ولا دليل على تعارفهم. وحتى اللقاح الذي قد يروجه الأطباء غير موجود. وهذا داع أكبر لتصديق الخبراء ببلدي. وبما أن العامة ظهروا أيضا يتحدثون في وسائل التواصل الاجتماعي عن فتكه أو تجربتهم والجائحة، فهذا أمر يدعوني للتفكير في الداعي الذي قد يوحد مريضا وطبيبا يقوض اتفاقَهما تنافي مصلحتهما. ولم يحدث أن كَذَّبَ أحد موت مصاب بالفيروس أو أعلن أنه مات بغيره.

وإذا كنت أرتاب في الأخبار الرسمية، فإني أجد فيما قاله آخرون خارج المغرب سندا لعدم تسفيه الرواية الرسمية. فلكي لا يصاب أهل المغرب يجب أن يكونوا من غير الخاضعين لسلطان الطبيعة. أما وهم مثلي يصابون بما قد أصاب به، فذاك يجعلهم مثل غيرهم من الشعوب الخاضعة لسلطان الطبيعة. فللمغاربة أيضا تاريخهم الوبائي. وبما أن رؤساء الدول والحكومات والحكومات المتحاربة أجمعوا على وجوده، فما الفائدة أن يعطل أحد نمو اقتصاد بلده لأجل فِرْيَةٍ؟ وما الفائدة أن تسكت الصحافة الحرة في الدول الديمقراطية على تزوير الحقائق؟ وما الفائدة أن يخسر رئيس دولة الانتخابات بسبب سوء تدبيره أزمة الوباء؟ لا شيء يجبر كل هؤلاء على فعل ذلك.

دعني، إذن، أسوق مثالا. كان الأمر سيكون عاديا لو أنه لم يكن رجل دولة. فثمة أفراد يعتقدون في مفهوم الأنانة SOLIPSISM. وهو مفهوم فلسفي ينفي وجود أشياء خارج الذات المفكرة. ويبقى الأمر مقبولا أن يؤمن بذلك من ليسوا مسؤولين حكوميين. أما أن يسلك رجل دولة تجاه الفيروس مسلك الشك المطلق وهو يقود شعبا يتألف من 210 ملايين نسمة، فهذه طامة.

اعتبر الرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو الفيروس “إنفلونزا عابرة”.  فكان يحضر التجمعات العامة  دون كمامة، بل يعانق مؤيديه. كان يدعي أن تاريخه الرياضي سنده ويتهم الصحافيين وخصومه السياسيين بخداع المواطنين البرازيليين حول حقيقة الفيروس، منتقدا حكام الولايات وعمداءها لفرضهم الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي. كان همه الوحيد تجنيب البرازيل انهيارا اقتصاديا، أي ادخار الورقة الاقتصادية للانتخابات المقبلة. والأدهى أنه اعترف، في بث تلفزي، إصابته بالفيروس. “ندرك أنه سيصيب جزءا معتبرا من الساكنة عاجلا أو آجلا. أما أنا، فقد أصبت،” يقول جايير معترفا. “ندرك فتك الفيروس بمن هم في مثل سني، أي 65 سنة ونيف، أو لديهم أمراض وعلل مصاحبة. وقد يكون الفيروس في حالات أخرى حاسما ومفض إلى الموت.”

هل كان لا بد أن تفقد البرازيل أحبتها حتى يصدق مسؤول فاعلية الفيروس؟ أليس الحري إصغاؤه إلى المختصين وانتصابه قدوة لأنصاره والشعب البرازيلي؟ إن سوء إدارة هذا اليميني المتطرف للأزمة كَلَمَ نفوسا كثيرة.

إن ما ذكرته عن جايير  يشبه ما تعرفه عن ترامب. فهما متشابهان في بعض الأشياء. ونموذجهما يعكس تصرف مسؤول لا يسلك سبيل العلم والتعلم في سلوكه اليومي. فليس لزاما دوما أن نخوض تجربة التعلم الفردية. فالطفل، إذا اعتقد في كون النار محرقة إيمانا بقول والديه، سينجيه ذلك حتما من كارثة سيئة. فإيماني بهونولولو عاصمةً لأرخبيل هاواي منبعه الخبراء. فهل زرت الفضاء قبلا؟ ومع ذلك، أنا أؤمن بما في الفضاء من كواكب ومجرات انطلاقا من قول العلماء. وحتى لو كنت شكاكا، فالشك يقتضي الإيمان بوجود فيروس ما دمت غير قادر على تخطئة المنتقدين. وهذا التحوط يكون باتقائه ماديا، مثل ارتداء الكمامة. حقا، لا توجد كمامة صيفية غير خانقة، لكن المقارنة بين الاختناق وإتلاف الحياة البشرية يجعلني ألجأ إلى أهون الأمرين، أي ارتداء الكمامة. كمامة هي برهان إيماني وارتيابي. وفيم يفيد الارتياب إذا اعتقلت الشرطة مجرما؟ هل يمكننني، آنئذ، تفنيد وجود جريمة، لأن الشرطة كانت فعالة في القبض على المجرم؟ ألأن المسؤولين الحكوميين اتخذوا استراتيجية ناجعة لمقارعة الوباء سيجنحُ بك خيالك لتسفيه وجوده؟ أبمقدورك نفي مرضك، إِذْ ساعدك طبيب حاذق في البرء منه؟ هل يجب أن يتولى الأمور ببلدك شعبويون متطرفون كيما تصدق وجود الفيروس؟ أليست الحقيقة مبدؤها الشك، أسلوبا بحثيا، لبلوغ الحقيقة؟ فإن لم يعجبك قولي، فهي ذي الحياة أمامك تنتظر أنانتك وتلقينك درسا في الحقيقة!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…