الرأي - تكنولوجيا - 14 أغسطس 2020

المخزن 12

إنها الكارثة. نار عظيمة تشتعل بمرفأ بيروت. فَبُعَيْدَ الساعة السادسة بالتوقيت المحلي، عَلَتِ النيران سقف مخزن. حدث انفجار أول فانفجارات صغيرة، فانفجار ضخم ذو سحابة تشبه نبات الفطر. أحدث الانفجار حفرة بسعة 140 مترا تقريبا. أما دويه، فسمعه أهل قبرص المجاورة. اليوم يوم الثلاثاء 4 غشت 2020.

هذه السحابة تذكر بسحابة هيروشيما وناكازاكي. فهل كان لبنان في حرب؟ وَلِمَ أغفل معالجة ثغرة دفاعية؟ فالمرفأ منطقة استراتيجية حيوية. إنه أهم نقطة دخول بحرية. حوى المرفأ تجهيزات طبية و15000 طن من الحبوب، أي أن أمن لبنان الغذائي بيد من يسيطر على المرفأ.

إن منبع الانفجار وجود 2750 من نيترات الأمونيوم. مادة تستخدم مصدرا للنيتروجين للسماد الفلاحي. وبمزجها بزيت الوقود تُصَنَّعُ متفجرات للمناجم وصناعات البناء. إذن، لديها قوة تدميرية هائلة وبإمكان المقاوم أو الإرهابي استيحاء قوتها. وقد استخدمها في تفجيرات أوكلاهوما سيتي الإرهابية عام 1995: تيموتي ماكفي، إذ صنع قنبلة دمرت المبنى الفيدرالي وقتلت 168 شخصا. والمغزى أن وجود متفجرات في مكان ما ببلد ما يستنفر عادة القوى الأمنية. فبمقدور أي عامل حراري خارجي إيقاد الكارثة. فهل ميناء يحاذي مدنيين مكان سليم لتخزين متفجرات؟

في 27 شتنبر 2013، أبحرت سفينة شحن، إم في روسوس، مملوكة لرجل أعمال روسي، إيغور غريشوشكين، من باتومي بجيورجيا صوب شركة إفريقية لتصنيع المتفجرات بالموزمبيق، ب2750 طنا من نيترات الأمونيوم. رست السفينة ببيروت في 21 نونبر 2013. رست ثَمَّ دون أوبة، فكانت الطامة.

هذا الحادث يستدعي محققين محترفين. وبإمكان شريط الفيديو وتدوين أقوال الشهود أو مراجعة الوثائق الرسمية توفير معطيات، لكنها ليست الحقيقة ناصعة. فالعطب موجود قبل وصول النيترات إلى مرفأ بيروت. موجود منذ ثلاثين سنة.

فكيما نذنِّب أي شخص، علينا أن نتساءل ابتداء: أَلِ”رجال الدولة” اللبنانيين قسط من المسؤولية؟ فمفهوم “رجل الدولة” ليس ذا أهمية في السياق اللبناني. فحسبنا حديثنا عن رجل  الطائفة. وما أضعف الحكامة اللبنانية ويسر انفجار بيروت هو الانهيار شبه الكلي لدولة فاشلة ليس بوسعها توفير خدمات أساسية، مثل الكهرباء. ومفهوم الوطن يصعب إطلاقه في ظل نظام سياسي برلماني تطبعه الطائفية. فالمناصب السياسية الكبرى مقسمة، بالمحاصصة، بين مسيحيين مارونيين وسنة وشيعة. لا أثر لنظام الكفاءةMERITOCRACY ، بل مفهوم طائفية مقيتة هو المهيمن. وللأسف، الطوفان كاسح غاشم. قتل الانفجار نزار نجاريان، الأمين العام لحزب الكتائب، من جروح في الرأس. فهل يعيش لبنان مرحلة ما قبل الدولة؟

ولذلك يصعب تذنيب أي كان. ومن ذُنِّبَ فمحض كبش للإلهاء. فالمسؤولية يتحملها مناخ سياسي موبوء. وبدل الاهتمام بالمحاكمة، فلنمحص سياق الانفجار. انفجار يأتي ولبنان يحاول محق الكورونا والشعب اللبناني تعتصره أزمة اقتصادية خانقة والسياق السياسي مُنْسَدٌّ. لقد هرع الشباب، مساء 17 أكتوبر2019، إلى الشوارع لإبلاغ غضبهم السَّاسَةَ اللبنانيين. وهل يمكن لأي سياسي نزيه الاشتغال داخل نسق سياسي طائفي؟ هل ثمة مؤسسة بلبنان بمقدورنا تذنيبها؟

ليس بمقدورنا الحديث سوى عن مؤسستين بارزتين: مؤسسة الجيش اللبناني الذي حقق انتصارا صعبا في معركته أمام أنصار فتح الإسلام عام 2007 ومؤسسة حزب الله. فلماذا لم تتيقظ مخابراتهما لخطر المتفجرات؟ لِمَ لَمْ يضغط الجيش وحزب الله كفاية لإزالة الخطر الداهم؟ فأي إرهابي قد يستخدم طائرة مسيرة لقصف المخازن وشل البلاد؟ ولا يصدق أن شحنة عمرها ست سنوات ورفعت قضيتها إلى القضاء ألا يعلم بوجودها أحد؟ فإذا لم يناقش البرلمان مثل هذه القضايا، فلم وضع أصلا؟ فالمنطقي مسارعة المسؤولين للتخلص من الشحنة، بتسليمها، مثلا، لشركة لبنانية للمتفجرات أو تلبية حاجات السفينة لإكمال مسيرها نحو الموزمبيق.

إن الانفجار يجبر الساسة اللبنانيين على اتخاذ إصلاحات هيكلية لنيل دعم مالي دولي. فأي فلس يدفعه المانحون الدوليون يجب أن تعرف وجهته. وإذا كان الرئيس الفرنسي ماكرون زار بيروت في 6 غشت 2020 وسيؤوب إليها في 1 شتنبر 2020، فذلك لمنح فرصة للفاعل السياسي المحلي لاتخاذ قرارات جريئة. وإذا كانت الحكومة اللبنانية استقالت في 10 غشت 2020، فهذا ليس كافيا. فالحري استقالة العقلية الطائفية أساس المشاكل وخلق دولة عصرية بمؤسسات قوية. وأي نموذج تنموي ينشده لبنان لا بد أن تعضده دولة مركزية قوية. فالزمن زمن القوة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…