‫الرئيسية‬ عدالة من أرشيف الجريمة بالمغرب الدار البيضاء.. جريمة قتل مزدوجة ذهبت ضحيتها عجوز فرنسية وابنتها بحي المعاريف

الدار البيضاء.. جريمة قتل مزدوجة ذهبت ضحيتها عجوز فرنسية وابنتها بحي المعاريف

ينقلنا ركن “من أرشيف الجريمة بالمغرب” إلى حي المعاريف بالبيضاء حيث كانت تعيش “مريان” وابنتها “إيفيت”بمفردهما في إحدى الشقق بعد رحيل زوجها إلى دار البقاء، لكن القدر كان يتربصبهما بعد أن تعطل جهاز التلفاز خير أنيس ل”مريان”، الشيء الذي جعلها تستنجد بأحد التقنيين لإصلاحه.. إلا أنها لم تكن تدري أنها أدخلت إلى عقر دارها وحشا ظل لأيام يتربص بها…

 

منذ عهد الحماية الفرنسية إلى اليوم كان حي المعاريف، الواقع بقلب مدينة الدر البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، وما يزال يدخل ضمن لائحة الأحياء التي حافظت بسمعة كونها “أحياء أوروبية”. في هذا الفضاء كانت تعيش سيدة في عقدها الستون وابنتها (30 سنة)، فرنسيتي الأصل أعجبتا بقوة الانسجام الذي يميز سكان حيهما، حيث يتعايش في فضائه أناس من مختلف الجنسيات والثقافات والديانات والأعراق واللغات في تسامح حقيقي لا وجود فيه للكراهية ورفض الآخر، الشيء الذي جعلهما تصممان على البقاء بالمغرب واتخذاه وطنا ثانيا لهما.

كانت “مريان” وابنتها “إيفيت” تقطنان بمفردهما بأحد الشقق بالحي المذكور بعد أن رحل الزوج إلى دار البقاء. وبما أنها متقاعدة، فقد كانت تمضي معظم وقتها في قضاء حاجياتها مرة من حيها، ومرة أخرى من الأحياء المجاورة بالمدينة التي كانت تعرفها جيدا. وعندما تكون بمنزلها كانت تفضل مشاهدة التلفاز الذي كان يخرجها من الملل والوحدة التي كانت تعكر صفو حياتها كأرملة.

وفي هذا اليوم من أيام صيف بداية سنوات التسعينات من القرن الماضي، ظهرت على محيا “مريان” علامات الحنق بعد أن أصيب جهاز تلفازها بعطب، الشيء الذي يخسى أن تصبح معه وحدتها أكثر قسوة من الماضي، إذا لم تتمكن من إصلاحه في أقرب وقت أو نقتني جهازا آخر.

لكن “مريان” التي صرفت النظر عن شراء جهاز جديد نظرا للضائقة المالية التي كانت تمر منها، التجأت إلى أحد معارفها التي رافقتها لدى أحد المتخصصين في إصلاح أجهزة التلفاز، حيث يمتلك ورشة بدرب السلطان (كريان كلوطي) أحد الأحياء الشعبية بالبيضاء.

كان رجلا نحيفا، متوسط القامة، يقف خلف منضدة ورشة صغيرة، حيث تكدس خليط من الشاشات وقطع غيار أجهزة التلفاز، استقبل الزائرتين بالترحيب مظهرا لهما تفرغه الكامل وأنه يضع نفسه تحت تصرفهما, اقترحت عليه “مريان” مرافقتها لمحلها بالمعاريف بهدف الكشف عن العطب الذي ألم بجهاز تلفازها وإصلاحه في عين المكان عند الاقتضاء. فقام التقني بجمع أدوات العمل في حقيبة ورافق السيدتين باتجاه شقة “مريان” بحي المعاريف.

وقد قامت “مريان” حتى الآن بجميع هذه الخطوات دون علم ابنتها “إفيت”، التي كانت تعيش حياة تختلف جملة وتفصيلا عن تلك التي كانت تحياها والدتها.

وهكذا، ففي الوقت الذي كان فيه الرجل منهمكا في عملية إصلاح جهاز تلفاز السيدة العجوز، كانت هي الأخرى منشغلة بقراءة أحد الجرائد. ولما انتهى من عمله، تسلم المبلغ المتفق عليه سلفا وغادر المكان بعد ذلك.

لكن، ومنذ أن حطت قدماه شقة “مريان” لم يهدأ لمصلح أجهزة التلفاز بال، وكأن مسا من الجنون أصابه، حيث بدأت تلاحقه مجموعة من الأسئلة من قبيل:

ـ هل السيدة العجوز تعيش بمفردها؟

ـ وهل تخبئ ثروتها بشقتها؟

ـ وإذا ما عدت أدراجي للسطو على منزلها من بإمكانه التعرف علي؟

لم تفارق مثل هذه الأسئلة وغيرها ذهن الرجل (الذي سنعطيه اسم علي) وذلك بالرغم من مرور الأيام،  حيث بدأ يقترب شيئا فشيئا من ارتكاب المحظور الذي لا يمكن ترميمه.

بقي التقني “علي” على هذه الحال لأزيد من أسبوع، ولم يزده تعاقب الليل والنهار إلا إصرارا على القيام بما يفكر فيه عوض الصمود في وجه قوة الشر الجامحة التي أصبحت مسيطرة عليه وتجره نحو منحدر سحيق سيؤدي به نحو باب جهنم إذا لم يعد إلى رشده خاصة أنه لم يعد يفكر سوى في الاستحواذ على ثروة العجوز التي بدأ يبني بها مشاريع أحلام يقظته التي غمرته منذ أن ولج دار “مريان”.. سيوسع ورشته وسيقتني معدات  حديثة وفعالة ستساعده على تحسين جودة خدماته.. إنها أحلاما بسيطة، لكن تحققها سيضره أكثر مما سينفعه…

ومع مرور الزمن بدأت مساحة الشر في كيان علي تقضم كل جيوب المقاومة لديه، حتى أنه لم يعد يرى عن ارتكاب الأسوأ بديلا. ففكر وقرر ولم تعد مسألة تنفيذ جريمته إلا مسألة وقت، بعد أن طرح جميع أوراقه وكأنه يردد “إما ذبحة أو ربحة”.

استيقظ علي في الصباح الباكر في ذلك اليوم المشؤوم، وتوجه إلى حي المعاريف، حيث انتصب أمام باب شقة العجوز على الساعة العاشرة صباحا، فتحت له “مريان” باب شقتها بعد الرنة الأولى للجرس وكأنها كانت تنتظر صديقا عزيزا على قلبها.. لكنه الشاب “علي” تقني أجهزة التلفاز الذي تعرفت عليه عبر منظار الباب.

لم يتبادر إلى ذهن “مريان”، بأن الرجل يبيت لها مكروها، واعتقدت أنه جاء بحسن نية، مثله في ذلك مثل جميع الأشخاص الذين تعرفت عليهم واختلطت بهم حتى هذه اللحظة. زد على ذلك، أن علي وبمجرد ما فتحت له “مريان” الباب بادرها بالسؤال عن حالة جهاز تلفازها، بعد أن أخبرها بأنه عرج عليها وهو في طريقه لقضاء بعض المآرب الخاصة به وحده.

ردت عليه “مريان” بالإيجاب، ودعته لشرب “شي حاجة”، جريا على العادة المغربية، لكنها لم تكن تدري بأنها أدخلت إلى عقر دارها وحشا ظل لأيام يتربص بها.

وأخيرا وقعت طردته بين مخالبه .. فمرة بالداخل لم يتردد علي ولو لحظة في ارتكاب ما جاء من أجله، خاصة وأنه أمام سيدة عجوز ذنبها الوحيد أنها استضافته بمنزلها كرد للجميل للشاب الذي زارها لكي يطمئن على صحة أتيسها الوحيد الذي يشاركها في وحدتها القاسية.. ارتمى عليها بكل وحشية كالحيوان الهائج، حيث قام في البداية بخنقها بوضع قطعة من القماش بفمها ثم ذبحها بعد ذلك من الوريد إلى الوريد بواسطة سكين جلبه معه ولم يتركها حتى لفظت أنفاسها الأخيرة.

وبعد أن نفذ جريمته، بدأ يبحث في عجالة من أمره كالمجنون عن تلك الثروة التي لا توجد سوى في مخيلته، والتي اعتقد أن العجوز تخبئها في ركن ما من أركان شقتها، لكنه توقف عن البحث بغتة عندما سمع ضجيجا آتيا من الخارج، والناجم عن فتح باب الشقة من طرف أحد الزائرين الذي لم يكن يتوقع وصوله.

تملّكه في الوهلة الأولى خوف شديد، فوجد علي لنفسه مخبأ بسرعة فائقة خلف أحد الأبواب في انتظار بقية الأحداث. وبمجرد سماعه لصوت نسائي يطلق صرخة ألم، فهم بسرعة بأن الزائر لا يمكن أن يكون سوى أحد أقارب الضحية. فخرج في الحال من مخبئه، ليجد نفسه أمام سيدة شابة، ترتعش من هول الصدمة، والتي كانت تريد ربما العودة من حيث أتت لطلب العون.

وخوفا من أن يفتضح أمره ويتم التعرف عليه من طرف هذا الشاهد المزعج، لم يتردد علي في ترتيب لـ”إيفيت” نفس مصير والدتها.

وبعد هذه المجزرة البشعة، وضع المجرم يده على الأشياء ذات قيمة لاسيما منها جهاز التلفاز الذي كان السبب وراء هذا الحادث المأساوي قبل أن يعود إلى ورشته بالمدينة الجديدة.

وبمجرد أن تم إشعار مصالح أمن البيضاء ـ آنفا بهذه الجريمة المزدوجة، تمت تعبئة جميع الإمكانيات المادية والبشرية، التي تم وضعها تحت تصرف فرقة مكافحة العصابة التي تكلفت بالتحقيق، إذ اقتفى محققوها آثار الجاني الذي تم توقيفه في أقل من 24 ساعة، حتى قبل أن يجد الوقت الكافي لتصريف وسائل الإثبات المتأتية من جرمه البشع…

ألا تنطبق الحكمة القائلة: “اللباس لا يصنع الراهب” على هذه العجوز الفرنسية أولا، التي اعتقد مصلح أجهزة التلفاز أنها تتوفر على كنز خبأته بعناية ضمن حاجياتها بالمنزل؟ ألا تنطبق أيضا على مصلح جهاز التلفاز الذي اعتقدت الضحية “مريان” بأنه مواطن شريف يكد من أجل الحصول على لقمة العيش بعرق جبينه وبكرامة ولا يمكنه إصابة ولو ذبابة بالسوء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

توقيت حظر التنقل الليلي على الصعيد الوطني يجبر مساجد المملكة على إلغاء صلاة التراويح

يجري حاليا تداول مقطع فيديو بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي يوثق لوقفة احتجاجية شهدت…