‫الرئيسية‬ الرأي إعلان ترامب باعتراف المريكان بمغربية الصحراء لم يكن شيكا على بياض
الرأي - 16 ديسمبر 2020

إعلان ترامب باعتراف المريكان بمغربية الصحراء لم يكن شيكا على بياض

لا يختلف اثنان على أن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء شكل الحدث من دون منازع على الصعيدين المحلي والدولي، نظرا لكون هذه الخطوة العملاقة وغير المتوقعة أتت من دولة عظمى عضو دائم في مجلس الأمن، ونظرا كذلك لكون الإعلان يصب في صالح المغرب، زد على ذلك أن هذا الاعتراف سيعطي دفعة قوية لنزع فتيل نزاع دام لعقود وأصبح يهدد استقرار منطقة هشة باتت تنخرها الأزمات ويعشش فيها الإرهاب والفساد وتجارة البشر والتهريب بكل أشكاله وألوانه.

مقايضة

ومن هنا، فإن إعلان الرئيس الأمريكي حول الصحراء المغربية الموقع باسمه، كان واضحا لا لبس فيه، إذ يحث الأطراف على الشروع في مباحثات في أقرب وقت، وذلك من خلال اعتماد المقترح المغربي للحكم الذاتي كإطار وحيد للتفاوض حول حل مقبول للطرفين.
وهكذا، فإن إعلان ترامب لم يأت فيه أي ذكر لمقايضة اعتراف العم سام بمغربية الصحراء مقابل إعلان الرباط تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن كلمة تطبيع تم قراءتها في مفردات المكالمة الهاتفية بين الملك محمد السادس والرئيس الأمريكي والتي جاء فيها “واعتبارا للدور التاريخي الذي ما فتئ يقوم به المغرب في التقريب بين شعوب المنطقة، ودعم الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، ونظرا للروابط الخاصة التي تجمع الجالية من أصل مغربي، بمن فيهم الموجودين في إسرائيل، بشخص جلالة الملك، فقد أخبر جلالته الرئيس الأمريكي، بعزم المغرب :

• تسهيل الرحلات الجوية المباشرة لنقل اليهود من أصل مغربي والسياح الإسرائيليين ؛

• استئناف الاتصالات الرسمية الثنائية والعلاقات الديبلوماسية في أقرب الآجال ؛

• تطوير علاقات مبتكرة في المجال الاقتصادي والتكنولوجي. ولهذه الغاية، العمل على إعادة فتح مكاتب للاتصال في البلدين، كما كان عليه الشأن سابقا ولسنوات عديدة، إلى غاية 2002”.

ومن هنا يمكننا التعرف من أين تم فهم كلمة تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل المحبوبة لدى ترامب والتي يظهر أنه طرحها على طاولة المفاوضات حيث سعى إلى مقايضة الاعتراف بمغربية الصحراء بإدخال المغرب ألى “جبهة التطبيع” قبل مغادرته للبيت الأبيض.
صحيح أن هذه المقايضة صعبة إذا ما علمنا أن أعلى سلطة في البلاد تترأس لجنة القدس، لكن الصحيح أيضا أن الجانب المغربي على لسان بوريطة أكد أن “السياسة الخارجية المغربية لم تندرج أبدا في نطاق المساومة”، وأنها “لم تخضع قط لمنطق الصفقة”، موضحا أن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء “لم يحدث في مقابل إعادة العلاقات بين المغرب وإسرائيل”…
إذن من طرح هذه المقايضة؟ هل المريكان، علما أن شهية ترامب كما قلنا سلفا منفتحة على الآخر لصطياد المزيد من الطرائد لادخالها في قفص “جبهة التطبيع” ولاسيما منها التي تعاني من فوبيا إيران أو التي تراهن بأن يطهرها ترامب من معصية الإرهاب؟
وبالتالي ما محل من يؤمن بعدالة قضيته لكي يقايض بها قضية عادلة أخرى لشعب شقيق قدم آلاف الشهداء لمقاومة الغطرسة الإسرائيلية و للحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني، زد على ذلك ما الذي قدمه ترامب للقضية الفلسطينية وهو الذي أعلن القدس عاصمة للدولة العبرية وشدد الخناق على الشعب الفلسطيني حتى يجبر شعب الجبارين على الركوع لمحثل غاشم، بل ما الذي طرحه الجانب الاسرائيلي على طاولة السلام لكي يعيد المغرب علاقته مع تل آبيب التي تم تجميدها منذ بداية الألفية الثانية؟

تطبيع

لكن بعد صدور هذا الإعلان التاريخي من الرئيس ترامب، الذي يعتز به المغاربة قاطبة، أي الإعلان، لأنه يأتي في صالح قضيتهم الوطنية الأولى، بدأت مرفقات الإعلان تنزل على رؤوس المغاربة خاصة فيما يتعلق بمسألة تطبيع علاقات بلادهم بالدولة العبرية كورقة مقايضة ربما متفق عليها سلفا بين الماسكين حصريا بملف الصحراء المغربية والإدارة الامريكية الحالية التي اغدقت نتنياهو بهدايا غير مستحقة.

إلا أن هناك من يرى أن اعتراف الإدارة الأمريكية بمغربية الصحراء لم يتم من دون مقابل، بل كان ثمنه باهضا بالنسبة للمغاربة وهو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، هذا التطبيع بات اليوم يفرق المغاربة بين موافق ومعارض ومن هو بين المنزلتين، إذ يعتبر الموافق أن اعتراف امريكا بمغربية الصحراء هو انتصار للقضية الوطنية وسيساهم بالتالي في حلحلة هذا الملف، أما ما عدا ذلك فيبقى مجرد تفاصيل سيجبر ضررها مع مرور الزمن، خاصة وأن القضية الفلسطينية لم تعد تحظى بالأولوية ليس في المغرب فحسب بل حتى في باقي الدول العربية.
في حين يرى المعارض بأنه كان على المغرب أن يقايض الموقف الأمريكي بأوراق أخرى كثيرة ترتبط به مباشرة ولا يمكن الاستهانة بها أفضل من الدخول في “جبهة التطبيع” على حساب قضية الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت أرضه وتم تشريده وتوزعت جثث ابنائه بين الدولة الصهيونية وذوي القربى.. والآن بدأ يتخلى عنه الجميع وباتت فلسطين تباع لإسرائيل بالتقسيط المريح تحت أنظار الشعوب العربية التي انهكها المتآمرون على الربيع العربي وتحت مجهر العراب ترامب …
أما من يوجد بين المنزلتين فقد عبر عن رضاه قائلا: ” نعم قلوبنا مع فلسطين وسيوفنا مع اسرائيل” والمهم هو أن كل الطرق تؤدي إلى مغربية الصحراء، وأن ما قامت به بلادنا يدخل في إطار الواقعية السياسية، وكفى المغاربة شر القتال…

مراهنة

ومن هنا، نرى أن المراهنة على التطبيع كورقة استراتيجية سيكون لها ما بعدها سواء في المشرق العربي، الذي توجد ملكياته بين فكي كماشة إيران، أم في المغرب الكبير الذي يغلي كالمرجل وبات منطقة مستباحة للأتراك، ولجيش من المرتزقة من مختلف الجنسيات، وللجماعات الإرهابية التي يمكن أن تتخذ التطبيع كضربة مروحة…
صحيح أن إجماع المغاربة على قضية الصحراء صار من البديهيات، لكن الصحيح أيضا أن هناك بعض الأصوات النساج التي تغرد خارج السرب والتي يمكن اعتبارها تافهة وسط محيط يعتبرها بأنها القضية الوطنية الأولى، ومن ثمة تفاعل المغاربة مع الإعلان الأمريكي بالاعتراف بمغربية الصحراء باعتزاز كبير نظرا لعدالة قضيتهم قبل أن يسقط التطبيع خلسة على رؤوسهم.
ومن هنا فإن مسألة التطبيع هي التي ريبت العرس حيث أفرزت جزءا من المغاربة ضد التطبيع، ومن ضمن هذه الأصوات نجد حركة الإصلاح والتوحيد الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية الحاكم التي أصدرت بيانا عبرت فيه عن موقفها الرافض والمستنكر لكل محاولات التطبيع والاختراق الصهيوني، وأضافت أن المكتب التنفيذي يعتبر ما أقدم عليه المغرب، الذي يرأس لجنة القدس الشريف، من تدابير مشار إليها أعلاه، تَطورا مؤسفا وخطوة مرفوضة.
وفي نفس الاتجاه سارت جماعة العدل والإحسان المحظورة، والتي تشكل قوة تنظيمية لا يستهان بها ولا تلجأ إلى اعتماد لغة الخشب لكي توصل رسائلها إلى النظام حيث قالت في بيانها الصادر يوم الجمعة الماضي إن اتفاقات التطبيع تعد “طعنة للقضية الفلسطينية وخذلانا للشعب الفلسطيني”.
ومن بين الرافضين أيضا لتطبيع العلاقات مع اسرائيل نجد النقابة الوطنية للصحافة التي أصدرت بيانا أعلنت فيه عن “رفضها لأي تطبيع أو تواصل إعلامي مع الكيان الإسرائيلي على حساب الحقوق المشروعة والثابتة للشعب الفلسطيني، وعلى حساب قيم السلام والتعايش والحوار التي تحفظ حقوق الجميع”.
أما مواقف الأحزاب المغربية الممثلة في الحكومة بما فيها الحزب الحاكم، الذي اكتسب مناعة من مسألة التطبيع بفضل لقاح المنافع التي بات يجنيها وسيجنيها إن ظل أليفا أوداخل لسوق راس على خلفية أنه كان يقيم الدنيا ولا يقعدها بمجرد سماعه بأن هناك نشاط تشتم منه رائحة التطبيع لما كانت يديه خارج حريرة تدبير الشأن العام، فقد باتت هذه الأحزاب على العموم على قلب رجل واحد يجيد المديح ويقول: “يصلاة الزين.. يصلاة الزين.. على التطبيع والمقايضة.. يصلاة الزييييين…”.

لكن جبهة الرافضين للتطبيع تخشى أن يضيق صدر النظام ويركب جياد الرهبة التي بدأنا نلامس سياطها من خلال اللجوء لسياسة الكيل بمكيالين على خلفية السماح للمداحين بالتعبير عن مواقفهم بكل حرية وسط الرباط ومنع تعبير الهجائين بنفس المدينة باعتماد سياسة العصا لمن عصى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

كوفيد-19.. ائتلاف المختبرات المسؤول عن المراقبة الجينية بالمغرب يعلن عن كشف 21 متحورا جديدا من السلالات الإنجليزية

دعت وزارة الصحة المواطنين المغاربة إلى توخي المزيد من الحيطة والحذر لمواجهة ظهور طفرات جدي…