‫الرئيسية‬ الرأي أوزيل: درع القضية الويغورية
الرأي - 12 يناير 2020

أوزيل: درع القضية الويغورية

أيها السادة، إنه صراع خطابي بين إيديولوجيتين متنافرتين: واحدة شيوعية إلحادية وأخرى ذات أرضية إسلامية. تصارعتا حول التسمية. فَخَطَّتِ الأولى للأرض اسما بالمندرانية، فسمتها: شينغيانغ، أي الحدود أو الأراضي الجديدة، إذ اجتاحتها القوات الصينية الشيوعية عام 1949. أما المسلمون الويغور، فسموها: “تركستان الشرقية”. وتركستان تعني أرض الترك.


فلنسجل أن الويغور مسلمون ناطقون بالتركية يعيش معظمهم بمنطقة شينغيانغ ذاتية الحكم. المنطقة استراتيجية، غنية بالموارد الطبيعية، مثل الفحم والغاز الطبيعي، تتقاسم الحدود وثماني دول، بعضها إسلامية. إنها مضمار حيوي لمشروع تجاري عالمي ضخم أعلنت عنه الصين عام 2013: مبادرة الحزام والطريق، أو مرادف طرق الحرير الجديدة.


لذلك ارتأى رجال الحزب الشيوعي تأمين المنطقة عبر تحييدها إيديولوجيا، أي اغتيال الشخصية الويغورية المسلمة وتصييرها هانية شيوعية ناطقة بالمندرانية. إذن، لا حق للويغوري في الاختلاف. لا حق إلا اعتناق الإيديولوجية الرسمية ونبذ الاختلاف. فاحتجزت الصين مليون مسلم في مراكز سمتها “مراكز التدريب المهني”. لا مشاحة في اللفظ، إذن. فهي تعترف، إذَّاك، بوجود آدميين محتجزين، دون محاكمة، داخل سجون شديدة الحراسة.
تهوِّن الصين من أمر الاحتجاز وتعتبره وسيلة لتحصيل التكوين المهني والتأهيل الثقافي. فهل ثمة تكوين بقيود للتنقل؟ أبإرغامي على احتساء الخمرة وأكل لحم الخنزير وهدم المساجد التاريخية يكون التكوين؟ أوطنيتي بشيوعيتي؟


أغرقت الصين شينغيانغ بقومية الهان الغالبة، فخلقت توترا إثنيا بالمنطقة، كان بعض سماته اعتداء محطة القطار بكونمينغ. ويروم الحزب الشيوعي من العملية التحكم في التوازن الديمغرافي: سيُؤَدْلجَ الويغوريون ويدرَّسون الشيوعية حتى يكونوا نسخة صادقة من إثنية الهان.
كان عدد الويغوريين، حين الاجتياح الصيني عام 1949، حوالي 76% من الساكنة. وكان عدد الصينيين الهانيين، آنذاك، 6.2 من الساكنة. غدت المعادلة الديمغرافية الآن بشينغيانغ: 42 بالمئة من الويغوريين و 40 بالمئة من الهانيين. يحاجِجُ البعض بكون الحزب الشيوعي الصيني يحترم التعدد الثقافي. برهان ذلك تمتع إثنية الهوي المسلمة بحرية التعبد. وهذه حجة للتأمل. فالهوي يشبهون الهان، مندمجون في مجتمعهم وموزعون جغرافيا، ثم هل الساسة الصينيون أغبياء كفاية ليعلنوها حربا شاملة على الثقافة الإسلامية؟ يجب ألا تبدو أفعالهم شبيهة بأفعال محاكم التفتيش. ألم يغضب ترامب من تركيا بسبب قس واحد؟ أليس احتجاز مليون مسلم أمرا مرعبا؟


إن سجن مثقف ويغوري معتدل، غير انفصالي، بالحبس المؤبد لَأَمْرٌ محير. أليس أستاذ الاقتصاد الحائز على جائزة سخاروف وجائزة مارتن إينالز للمدافعين عن حقوق الإنسان، إلهام توتي، حالة إنسانية مضنية؟ حوكم الرجل في جلسة سرية في شتنبر 2014 وانتشر بعد سجنه نص له يقول: ” تفاقمت، في الأعوام الأخيرة، مخاوف الويغور من الإبادة الثقافية واللغوية بشكل كبير، فانكمشت بشكل حاد بشينغيانغ الصناعات الثقافية وصناعات النشر باللغة المحلية.”
لقد تأثر لاعب أرسنال الألماني،مسعود أوزيل، لسكوت العالم الإسلامي وانشغال العالم الغربي بالقضية. والظاهر أن الدول العربية والإسلامية فضلت علاقاتها الاستراتيجية بالصين على ما عداها. وكان الموقف التركي نشازا، لما دعا وزير الخارجية التركي، في فبراير 2019، بكين، خلال جلسة أممية لمجلس حقوق الإنسان، لحماية الحقوق الويغورية. ووقعت 22 دولة عضو بمجلس حقوق الإنسان، في يوليوز 2019، رسالة إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان تنتقد المعاملة الصينية القاسية للويغوريين. وهذه فرصة تاريخية لإحراج العملاق الصيني. ووجدت الصين من يدافع عنها ضمن دول إسلامية كتبت رسالة مشتركة إلى رئيس مجلس حقوق الإنسان والمفوض السامي لحقوق الإنسان.

ونشرت نيويورك تايمز الأمريكية، يوم 16 نونبر 2019، مضامين وثائق حكومية صينية مسربة تكشف حجم المعاناة الويغورية، ففضحت 400 صفحة من الوثائق اعتقال بكين للسكرتير السابق للحزب بشينغيانغ، وانغ يونغزي، بسبب إطلاقه سراح أزيد من 7000 معتقل مسلم من أصل 20000. أراد وانغ خفض التوتر الإثني بالمنطقة، إذ التنمية تحتم وجود حرية. وحسب التسريب، فالسبب الحقيقي لاحتجاز مليون مسلم هو “أفكارهم السقيمة”.
أما الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين فنشر، يوم الأحد 24 نوفمبر 2019، ضمن الوثائق الحكومية المسربة، “برقيات الصين”، مذكرة من تسع صفحات، بعثها في 2017 زو هيلون، أكبر مسؤول أمني بشينغيانغ، إلى مديري المعتقلات بشينغيانغ، تأمرهم باتخاذ تدابير أمنية مشددة داخل المعتقلات وفرض الطاعة وسط السجناء. ويدافع المسؤولون الصينيون عن المعسكرات بكونها أوقفت أعمال العنف منذ 2016!
لقد قبلت الصين هونغ كونغ بمبادئها الرأسمالية.، كما انفتحت على العولمة واقتصاد السوق، فصارت عملاقا اقتصاديا. فهل كان التزمت الإيديولوجي ليبقي الصين حية؟ وهذا يظهر أهمية الانفتاح على الأفكار والثقافات المختلفة. فما معنى الانغلاق وسط العولمة؟ وإذا كانت الصين تتحكم في موقعها الإلكتروني: ويبو، فهل يمكنها التحكم في الأفكار البشرية؟ ألا تدرك أن الإسلام يعترف بحالة الإكراه؟ أليس بإمكان المسلم الممنوع من الصلاةِ الصلاةُ بعينيه فقط؟
دمرت الصين مساجد تاريخية. وهذه حجة ضدها. فهل الحجر إرهابي؟ فالعالم كله ضد الإرهاب، لكن الجميع ضد تدمير التحف المعمارية التاريخية والإبادة الثقافية واللغوية. وليس مفهوما اعتبار أي ويغوري انفصاليا، وهو لم يجاهر، بعدُ، بأي فكرة انفصالية. فقد فقد مفهوما دار الحرب ودار الإسلام قوتهما في عصرنا المعولم. أهي دار حرب بلد يُرفع فيه الأذان ويلفي فيه المسلم معايير الإسلام مجسدة في الديمقراطية؟ هذا كفيل بجعل الصيني المسلم وغير المسلم يلتقيان حول فكرة العدالة الاجتماعية، لكن تهميش الويغوري ومنطقته يذكي تسخُّطه. فلنثق، إذن، بالويغوري المسلم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…