‫الرئيسية‬ الرأي أحلام كوالالمبور
الرأي - 1 يناير 2020

أحلام كوالالمبور

لعله حلم الزعيم التركي الراحل نجم الدين أربكان تحقق بعد أن داهمه الموت. كان نجم الدين مؤسس مجموعة الثماني الإسلامية عام 1997. وشاءت الأقدار أن تلتئم بكوالالمبور، صباح الخميس 19 دجنبر 2019، بمركز كوالالمبور للمؤتمرات، قمة إسلامية مصغرة من روح تلكم الفكرة. اجتمع صاحبا نهضتين إسلاميتين بازغتين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، في شتنبر الماضي، على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة واتفقوا على عقد قمة إسلامية مصغرة وحصروا عدد زعمائها في خمسة. وهم قادة: ماليزيا وإندونيسيا وتركيا وقطر وباكستان. رقم يحاكي عدد الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي ذات الفيتو. فيتو يشي بالمصالح المتنافرة لأعضائه. فلو كانوا على قلب رجل واحد، ما كان ثمة فيتو. يبدو طبيعيا، إذن، أن تكون ثمة تكتلات إقليمية تسعى عبرها دول أخرى إلى الدفاع عن مصالحها.

لقد التأمت في كوالالمبور من 19 دجنبر 2019 إلى  الواحد والعشرين منه قمة إسلامية مصغرة ضمت زعماء ماليزيا وتركيا وقطر وإيران. قمة بنكهة فكرية وسياسية. فليست كل دول العالم الإسلامي، أي أمة المليار مسلم، رائدة في مجال الديمقراطية والحداثة، بل ثمة دول فاشلة. فقد أُفْشِلَتْ دول وكان بمقدورها أن تكون رائدة. أُفْشِلَ عراق صدام حسين وكان بمقدوره لو سلك طريق الديمقراطية أن يكون مزدهرا. ودولٌ لما خُلِّصَتْ من مستبديها أُبدلت بفتنة داخلية. وقد لاذت القمة بعقول 450 مفكرا وعالما وزعيما ليتباحثوا مواضيع تنير الرؤى أمام عتمات التخلف الذي يشرنق دولا إسلامية. فكان موضوع الدورة: “دور التنمية في تحقيق الأمن الوطني”. وتروم القمة تشكيل شبكة للمثقفين المسلمين لمناقشة المشكلات الإسلامية وتبيان طرائق علاجها. فلنتأمل أن أردوغان ومهاتير سليلا صنادق الاقتراع الشعبية.

وَلْنُسَلِّمْ أن لكل دولة من الأربعة المشاركة مضمار قوة. فتركيا الأولى أوروبيا في الانتاج الزراعي. أما ماليزيا فمن النمور الصاعدة. وأما قطر فذات قدرة استثمارية هائلة. وأما إيران فتروم تحصيل القدرة النووية. وما كان قادة تركيا وماليزيا وقطر وإيران ليجتمعوا بكوالالمبور لو لم يثبتوا قدرتهم على المعاقلة. فلا محاورة بدون معاقلة. فهم يتفقون على قدر معين من حقوق الدول الإسلامية. فلا مراء، مثلا، في القضية الفلسطينية أو الإسلاموفوبيا أو روهينغيا ميانمار. وكان صدع مهاتير بموقفه الرافض لمشاركة إسرائيلين في منافسة رياضية ببلده إلماعة ذكية إلى مكانة ماليزيا في الخريطة العالمية ونقطة التقاء ودول إسلامية أخرى، كتركيا. بزغ مهاتير بعد غياب وبلاده ملطوخة بالفساد الداخلي.

إن الاجتماع “محاولة  للبحث عن طرق لمعالجة مشاكل المسلمين والعالم الإسلامي،” يقول مهاتير في خطابه  الإفتتاحي يوم 19 دجنبر 2019. “نحاول أن نبدأ بشكل صغير. وإذا قُبِلَتِ الأفكار والمقترحات والحلول وبزغت إمكانية الاشتغال عليها، فَإِنَّا نأمل مناقشتها بمنصة أكبر.”  ولعل المقصود ب”المنصة الأكبر” هو منظمة التعاون الإسلامي التي مقرها السعودية. فمهاتير يريد أن يبدد المخاوف السعودية من أهداف القمة حتى لا تبدو القمة بديلا للمنظمة أو نواة تكتل جديد يضاهي التكتل السعودي الإماراتي. فالتكتل عنوان لاختلاف المصالح. وقد قاطعت السعودية القمة، إذ تود أن تُنْجَزَ أنشطتها تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، حيث للسعودية ثقل ديبلوماسي كبير. وتأذت صورة السعودية في السنوات الأخيرة بسبب الكم الهائل من الأخبار المرتبطة باختياراتها السياسية، مثل حربها في اليمن وإسهامها في حصار قطر وقضية السيد خاشقجي. وتربط بعض التقارير الإخبارية بين ضغوطها وغياب عمران خان عن قمة كوالالمبور. وشهد القمة ممثلون رسميون ل18 دولة إسلامية عوض 52 دولة عضو بمنظمة المؤتمر الإسلامي. غيابات تظهر أن من يريد أن يتصدى للزعامة، فعليه أن يحوز روح التحدي والثبات على  المبدأ.

وَإِذِ انتقد الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي يوسف العثيمين القمة، إذ قال إن مثل هذه التجمعات تضعف الإسلام، كان رد مهاتير إن القمة ليست لمناقشة أمور دينية، بل لدراسة أحوال العالم الإسلامي. و قال مهاتير في رسالة بالموقع الإلكتروني للمؤتمر، إن العالم الإسلامي “مقرون بالحكامة السيئة والفساد المستشري والبيئة الخصبة للتطرف.” فالضعف والتفكك الإسلامي منحا مصداقية، في نظره، للدعاية المعادية للإسلام. وتساءل مهاتير، في خطابه الافتتاحي، هل الإسلام هو من يعوق تقدم الأمم أم أن المسلمين أنفسهم هم من يعوقون نهضة بلدانهم؟ إن أي جواب يجب أن يُرْبَطَ بفلاح مهاتير وأردوغان في قيادة بلديهما شطر التقدم والنمو الاقتصادي. فتركيا ضمن مجموعة العشرين، أما ماليزيا فضمن النمور الصاعدة.

وتحدث مهاتير في خطابه عن الحالة الكالحة للبلدان الإسلامية ونزوع بعض أبنائها للتطرف العقيم المشوه للإسلام والمنتج للإسلاموفوبيا. وقارن بين دول دمرتها الحرب العالمية الثانية فغدت، من بَعْدُ، متقدمة ودول إسلامية دون حكامة جيدة، بَلْهَ التطور والإزدهار. فهل المشكلة في الإسلام أم في المسلمين أنفسهم؟

ما القمة عدا شجرة بسيطة توارت خلفها تناقضات السياسات الخارجية للدول الإسلامية. هل كان لقمة كوالالمبور أن تلتئم لو كانت منظمة التعاون الإسلامي ناجزة الفعالية، عاكسة للقرارات السيادية؟ فحتى الموقف من إسرائيل لا يوحد أعضاء المنظمة “الإسلامية”، ثم كيف تصطف قيادات سياسية حققت لشعوبها الرخاء الاقتصادي في صف واحد وقيادات فاشلة سامت شعوبها ألوان الهوان الاقتصادي، إذ يبدو أن الطموحات السياسية ليست سواء؟ ولعل نجاح أي قمم قادمة لفكرة كوالالمبور قد ينيخ بكلكله على دور منظمة التعاون الإسلامي. فهل تمسي قمم شبيهة بكوالالمبور البديل الحصيف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

من سرق ساعة القديس؟

فلنتفحص الصور توا. صبي صغير يرافق شابا طوعا. يرتدي الشاب قميصا ونظارة طبية وتعلو وجهه لحية…